spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 48

آخر المقالات

أ.د.عماد شبلاق ـ المعادلة الغلط.. ومش غلط نفهم ونتعلم ونستوعب!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية...

هاني الترك Oam ـ الحرب العالمية الثالثة

مجلة عرب أستراليا- بقلم هاني الترك Oam  طالعتنا الأخبار خلال...

روني عبد النور ـ البشر يزدادون وحدة… ما الدواء؟

مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتب روني عبد النور الشعور بالوحدة...

سلام ناصر الخدادي ــ عرس فني كبير في سيدني

مجلة عرب أستراليا ــ بقلم الكاتب سلام ناصر الخدادي "عرس...

رغيد النحّاس – زيارة

مجلة عرب أستراليا سدني – زيارة  -بقلم الدكتور  رغيد النحّاس

السنوات الخمس الأولى لبداية القرن الواحد والعشرين بدت لكثير من السوريّين على أنّها قد تكون بداية عهد جديد يقوم فيه رئيس البلاد الشابّ بإصلاحات طال انتظارها.

أمّا ذلك الكهل فكان يعلم تماماً أنّ هذا مجرّد أمل، لكنّه على الرغم من ذلك لم يفقده ولا للحظة. ولذلك حين اتجه من سيدني إلى دمشق في إجازة إلى وطنه الأمّ، كان فكره يعجّ بتمنّيات الخير والازدهار لوطن سرمديّ. أكثر أفكاره الملحّة كانت أنّه يريده وطناً دائم الوجود على أرض الواقع، لا مجرّد ذكرى زمنٍ مضى وانقضى، يمجّدها الناس ويبقون عندها ساهين عن مستلزمات الحاضر والمستقبل.

ذات يوم من أيّام الإجازة اتجه مع زوجته إلى مدينة حمص على متن حافلة أنيقة، يدعونها “بولمان”، تعمل على خطّ دمشق-حلب، على أساس أنّها في طريقها تتوقّف عند مدينة حمص من أجل الركّاب المتوجهين إلى هناك قبل المواصلة إلى وجهتها النهائيّة.

سبب الزيارة دعوة من رابطة أدبيّة كانت بينه وبينها نشاطات كثيرة، وأرادت الرابطة تكريمه وتعريفه إلى أعضائها وإلى بعض أدباء وفناني حمص. استعدّت زوجته كعادتها لهكذا زيارة، فارتدت حلّة وثيرة، وتزيّنت بمصاغها من الذهب والألماس، وتألّقت بجمالها الفتّان، حتّى بدت وكأنّها نجمة سينمائيّة حلّت في بلاد الشام.

أشار مُضيّ وقت الرحلة، وملامح الجغرافيا التي يعرفها، إلى اقتراب مدينة حمص. قدّر أنّ ما تبقّى للوصول لا يزيد عن عشرة كيلومترات. ولكن عند تلك اللحظة توقّفت الحافلة أمام استراحة من تلك التي تخدم المسافرين. ظنّ أنّ التوقّف هو من أجل ركّاب حلب، وأنّ الحافلة ستتابع إلى مركز حمص. لكنّه قبل أن يكمل تقييم الوضع في ذهنه سمع السائق ينادي بصوت غلب عليه الصراخ وصيغة الأمر: “ركّاب حمص انزلوا هون، يللا … ”

حين بدأ احتجاجه، وأنّه لم يعلمه أحد، قيل له إنّ الكلّ يعلم هذا الترتيب، وأنّ القضيّة بسيطة لأنّهما إذا وقفا على الطريق العامّ تمر بعض الحافلات الصغيرة التي يسمّونها “ميكرو”، ويمكن بسهولة التوجّه بواسطتها إلى قلب حمص خلال عشر دقائق.

كانا يعلمان أنّه لا خيار لهما. تجاوزا منطقة وعرة بين الاستراحة التي سبق أن توقّفا عندها، والطريق العامّ. وتحمّلت الزوجة تبعات ارتداء “الكعب العالي”. (سيضيف هذا إلى لائحة ذنوبه.)

بدأت عمليّة جادّة في تحرّي أيّاً من الحافلات يجب أن يؤشّرا لها لتقف. وبعد حوالي ربع الساعة توقّفت واحدة. قام بفتح الباب بصعوبة، وهو من النوع الذي ينزلق للخلف على جانب الحافلة. فوجئ أنّها مليئة، عدا مقعد واحد جانب الباب. لاحظ الركّاب والسائق ارتباكهما. توجّه السائق إلى الزوجة بصوت فيه بعض العصبيّة قائلاً: “اطلعي يا اختي اطلعي. قعدي هون،” مشيراً إلى المقعد الخالي الوحيد إلى جانب الباب. كان يتساءل ضمناً إلى أيّ مكان سيشير السائق من أجل جلوسه. انحنى السائق قليلاً، وسحب بيده قطعة ظهرت وكأن الأمر من فعل ساحر. ضغط السائق عليها للتأكّد من ثباتها، وقال: “شرّف يا أستاذ.”

جلس على شبه مقعد مواجهاً زوجته وكلّ الركّاب. الحافلة تغصّ بركّابها الذين لا يشكّلون أكثر من دزّينة من الرجال والنساء. ما إن بدأ بالتأمّل وعواقبه من التفكير، حتّى طلبت شابّة النزول. بعد فتح الباب الذي تطوّع له رجل بثياب عسكريّة كان يجلس خلف الشابّة، ووقف منحنياً، مادّاً ذراعه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً فيمسك بقبضة الباب ويشدّه بكل قوّته إلى الخلف. لا يمكن للشابّة النزول دون أن تنزل زوجته أوّلاً وتثني مقعدها. وبعد مغادرة الشابّة التي يبدو، ممّا تحمل من أدوات، على أنّها فتاة في كلّيّة الهندسة، تحاول زوجته إعادة المقعد لوضعه السابق فيتطوّع هو وأكثر من راكب وراكبة بالمساعدة. تعود زوجته إلى مكانها. يُغْلَق الباب. تنطلق الحافلة، وتتكرّر هذه العمليّة مرّتين على الأقلّ قبل الوصول إلى حمص.

نظر في الركّاب. معظم الشباب والرجال بألبسة عسكريّة. معظم النساء بألبسة قرويّة. رجال ونساء بألبسة بسيطة. لم تتزيّن أيّ من النساء بالحليّ، والخاتم الوحيد الذي لمحه على إصبع سيّدة كان خاتم زواج متواضع جدّاً. شَعر النساء والرجال شبه “منكوش”. لم تكن هناك أيّ إشارات أنّ أحداً استحمّ ذلك الصباح. يستثنى من ذلك تلك الفتاة الجامعيّة.

السيّدتان المجاورتان لزوجته لم ترفعا أعينهن عن أصابعها وجيدها. حتّى تلك التي تجلس وراءها، إلى يسارها، كانت تشرئب بعنقها قليلاً لتحاول النظر. الوجوه كلّها كانت جادّة، بل أقرب ما تكون ممسوحة بالحزن.

أصابه قلق شديد. هل من المعقول أن يكون ابن هذه البلاد وتفاجئه هذه المشاهد؟ نعم، كانت هذه أوّل مرّة يرتاد فيها حافلة كهذه، وفي مناطق خارج نطاق المدن. حتّى حين كان مقيماً في دمشق في طفولته وشبابه، ماذا كان يعلم عن الجماهير؟ يبدو لا شيء. قال لنفسه: نحن أبناء المدن يولد بعضنا و”في فمه ملعقة من ذهب”. نستعمل السيّارات الخاصّة، ونستأجر “تاكسي”، وبعضنا يذهب للسياحة داخل وخارج البلاد.

زاد اطلاعه على هذا الجانب من وطنه الأمّ وهو بعيد عنه آلاف الأميال، وبعد سنوات من تلك الزيارة. بعد اندلاع العنف وبداية التهجير واللجوء، ظهر حجم المأساة التي تزداد مع زيادة الفقر والتخلّف الاقتصاديّ. هل أهمّ أسباب المشاكل انعدام الشعور بها، رغم أنّها أقرب من حبل الوريد؟

دخلت الحافلة مدينة حمص، وبدأ يسأل السائق عن العنوان الذي يقصده. طمأنه السائق أنّ العنوان على الطريق نفسه الذي تسلكه الحافلة: “ولا يهمّك أستاذ ما بتنزل إلا عالتمام.” اهتم الركّاب بالمسألة. استفسرت احداهن عن طبيعة المكان، وأكّد أحدهم أن لا تثريب عليهما ولسوف يعلمهما حال الوصول. أكّد السائق أنّه سبق له التأكيد على هذا: “شو قصتكم، مو قبل شوي قلنا للأفندي إنو حنزلوا محل ما بيريد؟”

حين توّقف السائق لنا، أكّد كلّ من تكلم سابقاً على صحة العنوان: “إي هادا هو،” “ليكو المدخل جنب البناية الزرقا،” …

بدأ يرى في العيون ابتسامات، وخرجت من الشفاه سلامات.

وداعاً قالا. وداعاً قالوا.

نزل من الحافلة مغادراً، يحمل معه كرم وطيبة هذا الشعب المغلوب على أمرة، وعقدة ذنب لا يعلم إن كان هو أحد المسؤولين عن ارتكابه.

رابط مختصر –https://arabsaustralia.com/?p=14342

 

 

 

ذات صلة

spot_img