د.علي الموسوي- ثُنائيةُ الأرّز والسلام نستالوجيا الأوطان الباسقة..

مجلة عرب أستراليا سيدني- ثُنائيةُ الأرّز والسلام نستالوجيا الأوطان الباسقة..بقلم د.علي موسى الموسوي- النرويج

الدكتور علي موسى الموسوي
د. علي موسى الموسوي

يُقالُ أن لكلِ أرّزةٍ فاتنة في لبنان حكاياتها التي لا تنضب وهوائها الذي يلامس الأرواح المُتعبة ليجعلها تشعر بالصبا والاطمئنان في كلِ لحظة، “لبنان” الارزّة الحسناء التي تتمدد بأغصانها الخضر على مدار البلاد حتى باتت تُعرف ببلاد الأرز نظرا للدور الذي لعبه الأرز في تاريخها، وفي التراث المحلي وثقافات الشرق الأدنى القديم، حيث أصبحت الأرزة رمز لبنان وتتوسط علمه، وتتميّز جذور الأرز اللبناني بضخامتها الملحوظة واستقامتها وهي تتحمّل ضغط الحمولات والأثقال وتقاوم الإهتراء والأمراض والعفن، لذلك واكب الأرز الحضارات العالمية منذ القدم لغاية اليوم، ولقد ورد ذكر الأرز كرمز للصلابة والديمومة والقوة في الكتب المقدسة وفي نصوص قديمة أخرى بالكتابات “المسمارية” و”الهيروغليفية”.. الأمر الذي يعكس أهميته التاريخية بالنسبة للشعوب القديمة فلقد بدأ استثمار خشب الأرز بشكل مكثّف منذ الألف الثالث ق.م. في التجارة والطقوس الدينية واستخدمهُ الفينيقيون في صناعة سفنهم التي أبحروا فيها وجابوا العالم حاملين معهم بضائعهم وصناعاتهم الفاخرة والمميزة ونقلوا هذا الخشب معهم أينما توجّهت مراكبهم، وبنوا بخشبه أماكن العبادة والسفن والجسور.

ولقد كان يصدّر بكثافة إلى مصر ويشكل جزءا من الجزية التي كانت المدن الفينيقية تدفعها عبر العصور المتعاقبة إلى غزاتها الأشوريين والبابليين والفرس، وأيضا قدّست الشعوب القديمة الأرز واعتبرته طارد الأرواح الشّريرة ويجلب البركة ويشفي من الأمراض ويقضي على الأوبئة، واستعمل الفراعنة المادة السائلة CEDARIA التي يحتويها الأرز في عملية تحنيط موتاهم.
أما قدسيته المذكورة فقد بَنى سليمان هيكل “أورشليم” من خشب الأرز وبات على ألسنة الشعراء وكاتبي المزامير وأسفار التوراة منذ ذلك الحين كونه رمزًا للصّمود والجمال.

كما تفاخر ملوك ما بين النهرين وأبرزهم الملك الأشوري “سنحاريب” والبابلي “نبوخذ نصر” لقطعهم أشجار الأرز المُحتلة وكذلك الرومان، فلقد استخدموا خشب الأرز في صناعة أثاث بيوتهم ومذابحهم وكان مصدر تباهٍ عندهم، ومع بزوغ فجر المسيحية، استمرّ استعمال خشب الأرز في بناء المذابح ونحت تماثيل القدّيسين وصنع الأواني المقدّسة والصّلبان وتشييد الكنائس، أشهرها كنيسة القبر المقدّس في أورشليم وكنيسة المهد في مدينة بيت لحم، إضافة لكنيسة صور التي بنيت في العام 75 والتي صلّى فيها القديس بولس، وأيضا كنيسة القديسة مريم الملكية في أورشليم، وكنيسة القديس بولس في روما ونظرا لأهميتها، عمد الإمبراطور الروماني “هادريانوس” إلى اتخاذ تدابير من شأنها حماية عدد من أصناف الأشجار التي كانت تنمو في جبال لبنان وأوكل إلى عدد من فرق المساحة بتحديد الإحراج والغابات بهدف تحديد الأصناف التي كان قطعها ممنوعا والتي تعتبر بمثابة محمية إمبراطورية ومن بينها الأرز والصنوبر والعرعر والسنديان.

ومع مرور الزمن أخذت الغابات تتعرّى تدريجيا من غطائها الأخضر، خصوصا في القرن التاسع عشر حيث استهلكت الغابات بشكل واسع خصوصا وأن أخشاب الأرز قد استُخدمت لمدّ خط سكة الحديد التي أنشأها الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى، أما اليوم فلم يعد لبنان يحتفظ إلا بعدد محدود من أشجار الأرز المبعثرة في أرجائه وهي تنمو على ارتفاعات تتراوح بين 1500 و2000 م. ومن أجل الحفاظ على هذه الثروة الحزينة تقام حملات بيئية لغرس أعداد كبيرة من غرسات الأرز الصغيرة، ولأجل حماية غابات الأرز تم إنشاء المحميات الطبيعية التي توفر أيضا فرصة التعرف على أسرار غابات الأرز والاستمتاع بمشاهدها الخلّابة.

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=20390