spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 56

آخر المقالات

أ.د. عماد وليد شبلاق ـ صناعة الكراهية في أستراليا…. لماذا ومن يغذيها؟

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق...

الدكتور طلال أبوغزاله ـ إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الدكتور طلال أبوغزاله التعليم كما عهدناه...

د. ريـاض جـنـزرلي ـ أن تعرف كل شيء عـن شيء أم أن تعـرف شيئا من كل شيء؟ التخصص أم التنوع؟

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم د. ريـاض جـنـزرلي

يسأل بعـضهم عن موضوع الاختصاص والتنوع فـيه، والسؤال الدارج هـو: ما الأفـضل؟ أن نعـرف كل شيء عـن شيء، أم أن نعـرف شيئا من كل شيء؟

والمقصود بالأول هـو: أن يعـرف المتعـلم كل شيء عن شيء، وهذا يعـني الاختصاص الكامل في عـلم من العـلـوم العـملـية أو النظرية، أي أن يتبحّـر بعـلم من العـلوم، ولا يغادره إلى غـيره، ويسبر أغـواره ويعـرف أوائله وأواخـره، وما يستجدّ به…

أما الثاني فهـو يعـني أن يأخذ من كل عـلم شيئا فهو يتـنـقـل بين العـلـوم، ويأخذ منها ما يـلـزمه، وهـذا يعـني عـدم التركيز على اختصاص معـين، بل أن يكـون عارفا بعـلوم متنوعة، فهو يقـطف من كل بستان زهـرة.

وهل هـذا يمكن؟ وأيهما أكـثر نـفعا في الحـياة؟  وأيّ المقـولـتَـيـن أصح؟

لو نظرنا بعـين الواقع لوجـدنا أننا نحتاج إلى كلا النوعـين في الحياة، وما أحسن إن يجتمع الأمران في شخص واحد.

نحن نحتاج في مجال العلوم الأكاديمية ومراكز البحوث، إلى الدراسات العميقة المتخصصة التي تسهم في تطويرها، أي نحتاج إلى عـلماء إخصائيين قادرين على التطوير والـتقـدم، فالاختصاص في الطب مثلا نحتاج فـيه إلى متخصّصين مبدعـين في اختصاصهم، يعـرفـون كل شيء، ويـتابعـون ما تـنـتجه الـبشرية كل يوم في هـذا المجال؛ في الجراحة، أو أمراض الـقـلـب، أو الـمخ، أو الأعـصاب…الخ وكذلك في مجال كل العـلوم من فـيزياء وكيمياء، وفضاء.. و… و… وهـذا يعـني أن يعـلـم الـباحـث أو العالم كل ما يـلـزمه عن اختصاصه دون أن يكترث بالعـلـوم الأخرى، إذ أنها لـيست في مجاله العـلمي.

كما أننا نحتاج في المجتمع إلى من تتسع دائرة ثقافـته لـتـشمل عـلوما عـدّة، أو شـيئا عـن كل شيء، من أجل تعـزيز المعارف العامة، والارتقاء بالمستوى الـثقافي لأفـراد المجتمع بعامة، ولعـلـنا في مجال التعـلـيم العام نحتاج إلى مثـل هـؤلاء، الذين يعـرفـون شيئا عـن كل شيء، إضافة إلى اختصاصهم العام.

هـل يمكـن دمج الـنموذجـين معـا؟

سؤال يرِد على الخاطر، هل يمكن أن يكون العالِم متخصصا في عـلم من العـلـوم، ويعـلم عن عـلـوم أخـرى الشيء الكثير؟ أو أن يكون متخصصا في عـلـوم عِـدّة؟ الجواب: نعم، وهذا ما نجـده في عـلماء الحضارة الإسلامية العـربية.

الذين اتخذوا هـذا الأسلوب منهجا علميا، وعمليا لهم، حيث كانوا يدرُسون العـلـوم كلها بعـمق، ويقـرؤن فـيها عـلى عـلماء مختصّين، ومن ثم يتخصصون أو يشتغـلـون بعـلم يختارونه، ويبدعـون فـيه، ويكونون أحـد أعلامه، ويمكننا القـول إن أكثر عـلماء الحضارة كانوا كذلك، كالسيوطي صاحب مئات المصنفات المتنوعة في عـلوم شتى، والغـزالي الذي أبدع في الأخلاق والفلسفة، وابن البيطار الذي أبدع بالطب والصيدلة، والخوارزمي منشئ علم الجبر واللوغاريتمات، والـبتّـاني الـفـلكي، فكانوا جميعا تجمعهم ثقافة واحدة تلك التي تتعلق بالعـلـوم الدينية، والعـربية، والـفـلسفـية، الـتي نشؤوا عـليها، الأمر الذي كان يشكل لديهم منطلقا ثقافـيا واحدا، وقاعـدة واحدة ينطلـقـون منها، فكانت توحّد فكـرهم، وتمنعهم من الاختلاف في الأساسيات المعـتمدة على حقائق الوجـود للكون، والمنطق العلمي السليم في العلوم كافة، والـهـدف من الـعـلم والتعـليم، ولم يكونوا كحال المختصين اليوم الذين لا يجمعهم جامع، وكل يغـنّي على ليلاه في فهم الوجود، مما أدى إلى صراع فـكـري، واتباع أو ابتداع مذاهـب متباينة شتى، أحدثت – وماتزال – اضطرابا في توجيه العـلوم والفكر المعاصر.

نذكر مثالا على ذلك واحدا من علمائنا الأوائل الذين برزوا في عـلم أو أكثر، إلا أنه كان عالما في عـلوم أخرى أيضا، وهـو: ابن سينا الطبيب المختص، الماهر، المتقـن الذي طوّر عـلم الطب، وأبدع فـيه حتى نال لـقـب أستاذ، وألـف فـيه كتاب (الـقانون) الذي كان ما يزال يُدرّس في جامعات أوروبا إلى القـرن الماضي، كان عالما في الفلسفة، والموسيقى، وعالما بالعـربية أيضا،  يروى أنه في أحد مجالس أمراء بخارى، حيث كان عـلماء العـصر يجلسون ويتناقـشون، فـتكلموا في موضوع من موضوعات النحو، وتكلم ابن سينا فـيه، إلا أنّ أحد النحاة اعـترض عليه بحجة أنه غـير مختص في النحـو، فـما كان من ابن سينا إلا أن غـضب، وقام من المجلس، واعتكف في بيته شهـرا، ثم خرج بكتاب في النحو، وليس هذا بالمستغـرب لأن  طريقة التعـليم في المعاهد التعليمية، أو مراكز التدريس آنذاك، كانت تعـلّم طالـب العـلم منذ صغـره القـرآن، وعـلومه، واللغة العـربية وعـلـومها، والـفـلسفة وفـنونها، وعـلم الكلام، كما يحـفـظ  أشعارا كثيرة في نَظم العـلـوم وغيرها، ويتعـلـم مبادئ الحساب والرياضيات، ويتعـلـم شيئا عن الـفـلك وغيره …الخ. وكان الدارس يطلب العـلـم حين يكـبر لـدى عـلـماء مختصين، فـيختار مجـلسا من مجالسهم المتوزعة في المساجد، فـيجـلس إلـيه ويتعـلـم منه.

فطالب العلم حرّ في أن يأخذ أو أن يتعـلـم ما يحـب، من أي مصدر كان ” فالحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها “، ثم كل حسب قـدراته ومستوى ذكائه، واهـتمامه.

إن ما نراه اليوم في المجـتمعات الغـربية مثلا أن أهل الاختصاص هم حقا على مستوى من العـلـم في اختصاصهم، ولكنهم أجهـل من الجهل في أبسط المعـلـومات الأخـرى، أما العامة منهم فهـم لا يعـلـمون غـير ما يقـومون به من عـمل، ولا يعـلـمون غـير ما توجههم به وسائل الإعلام كما تريد، إلا ما رحم ربي، فهم – مثلا – على جهل كبير فـيما يتعـلق بالشرق الأوسط، أو أفـريـقـيا بخاصة، لأنهم لا يبالون بغـير عـملهم، وقـضاء إجازة نهاية الأسبوع في تفـريغ شهواتهم، ولعـل ما حدث في غـزة حديثا أكسبهم بعـض الاهـتمام بالمنطقة.

وأخيرا إن باب المعـرفة مفـتوح للجميع، وكبير بما يكـفي ليستوعـب الخلق كافة، ولكن هناك عـوامل تتحكم بقـبول المعـرفة وتطويرها، منها ما هـو شخصي ونـفسي، واجتماعـي، وبيئي، وسياسي، واقـتصادي…الخ، فـمن العـوامل الشخصية وجـود الدافع والاهتمام الشخصي، ومن العـوامل الاجتماعـية وجود بعـض العادات والـتقالـيد التي ما يزال بعـضها يمارسه في بعـض البلاد، كمنع المرأة من التعـلـم، أو عـرقي كما كان في أمريكا حيث كان يمنع التعـلم عـلى السود، ومن العـوامل البيئية، كالحياة في المدينة أو الـقـرية، فـبـيـئـتاهما مخـتـلـفـتـان، ومن العـوامل السياسية، التوجه الإيديولوجي للدولة، وطـبيعة الحكم، وسماح الأنظمة في الانـفـتاح عـلى بعض العـلوم، وإقامة الحروب. ومحاربة المعارضين… ومن العـوامل الاقـتصادية قـلة الدخل المادي للأسرة مما يضطرها إلى توجيه أولادهـم إلى سوق العـمل، والتخلي عن الدراسة لزيادة الدخل.

لعـلـنا نحتاج إلى إعادة نظر في طرق تدريسنا، وبرامج تعـلـيمنا، وإعداد مدارسنا، وتأهـيل مدرسينا، وتدريب الطلاب على التفكير العلمي وتطبيقه، والتطلع إلى ما يناسبنا وإلى كل ما يسهم في تطوير تعـلـيمنا، فالتعـليم هو مصدر توليد الطاقات البشرية للواقع والمستقبل، لذا تهـتم الدول المتـقـدمة به، كما هـو في أستراليا، واليابان، وفـنلندا، وسنغافـورة، وغـيرها.

ولا بد لنا من إثارة دوافع التعـلم وإحداث شغـف الـتعـلم لدى الناشئين الطموحين، والأسر الراغـبة في التعـلم، كما لا بد من تقـدير أهـل العـلـم والاختصاص، وتوليتهم المناصب الراقـية المناسبة لاختصاصاتهم، واحتواء النابغـين منهم، ومنحهم الرواتب الكافـية، ورفع أجور المعلمين بخاصة، وأجور العاملين في الخدمات العامة بعامة، لمنع الـفساد، ونشر العـلـم، وتشجيع أصحاب الشركات والأعمال، والتجار والمسؤولين، على الإسهام في بناء المجتمع.

إذا أراد، وهنا يأتي دور معاهد التعـلـيم التي تحاول أن تعـطي الدارسين معـلـومات عـن كـثير من العـلـوم وتـزوّد الدارس بمعارف كثيرة إلى أن يصل إلى مرحلة التخصص، وهي الجامعة فـيختار التخصص الذي تميل إليه نفسه.

رابط النشرـ https://arabsaustralia.com/?p=44124

ذات صلة

spot_img