spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 56

آخر المقالات

أ.د. عماد وليد شبلاق ـ أمراض البشر والحيوانات والسيارات .. وألم التكلفة !

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق...

عباس علي مراد ـ ما هو مفهوم كريس منس للتناغم الاجتماعي؟!

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس علي مراد  سياسة وخطاب...

المحامية بهية أبو حمد ـ أعيدوا إلينا معتقلينا… ارحموا دموع الأمهات، فنحن لا نريد إلا السلام

مجلة عرب أسترالياـ بقلم المحامية بهية أبو حمد  أعيدوا إلينا...

د. رياض جـنـزرلي ـ قصـــة قصيرة: احـذروا صاحـب الـقـدم الكـبيرة

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقـلم د. رياض جـنـزرلي

جلس بين أقـرانه لاهـثاً لا يستطيع حراكاً بعـد جـري طويل، وهـروب من المستحيل، أعانه عـلى النجاة بحياته، هـروباً من ذاك الضخم الكبير الذي كان يلاحـقه هـنا وهـناك، ولولا فـتحة المجرى المائي القابعة في زاوية المكان لكان الآن في عـداد الموتى.

انتبهوا يا أصدقاء من الأعـداء، انتبهوا من عـدوّ كبير اسمه: صاحب القـدم الكبيرة، وانتبهوا من عـدو صغـير اسمه: صاحب الـفـك الـقارض، فـذاك لا يرأف بكم وأنتم أحـياء، وهـذا لا يرحمكم وأنتم أموات، فكلاهـما يتربص بكم الـدوائر.

هكذا نادى الصغـير في أصحابه وبني جـلـدته مذكّـراً ومُحَـذّرا، بل مُنذِرا كلّ من تُسَوِّل له نفـسه بالخـروج من أرضه أو مسكـنه. وبعـد الـتحـذير والتذكير أحـبَّ أن يَسرد لهم من بعض صولاته ومغامراته التي عاشها في حياته، للعظة واتخاذ العِـبْرة فـقال:

أحـبّتي …وأخـواني…

لـقـد ولدتـني أمي في ركن مظلم خـفيّ، في مغارة صغـيرة جداً، فـيها مجرى مائي قـذر، رطبة الجدران، نتِنة الرائحة، لا يرى لها النور سبيلا إلا لِـماما، وضعـتني داخل كيس صغـير لامع يمنع عـني العـوادي، وكذلك كل إخواني وأشـقائي، ولم نكن نستطيع أن نرى من ذلك الكيس ماذا في العالم الخارجي، وما أن انقـضت فـترة من الزمن حتى شـقـقـت الكـيس، وأضاء ما بداخـله، ورأيت النور لأول مـرة، لأخرج إلى الحياة وأبصر ضوءاً يتسلل إلى داخل الحـفـرة التي ولدت فـيها، وبدافع الجـوع والعـطش خرجت أمشي بحـذر، فإذا بي أطلّ على مجرى مائي مُنـتِنٍ، فـشرِبت منه قـليلاً، وأكلـت مما عـلق به من طعام .

ثمّ بدأت أدور في الأنحاء لأشاهـد أقـراني وجيراني، فإذا الحي مليئا، والمكان مزدحما، والآخرون يذهـبون ويجيؤون وساعة يسْبحون، فكـنت أفعـل مثلهم.

وفي يوم من الأيام مشيت جهة الضوء باحثاً عن حياة أخـرى، ومعـيشة أفـضل، فإذا بي في غـرفة كـبيرة لا رائحة فـيها، فـتـلمّست طريقي وقـد نبت شارباي، وأصبحت أهـزّهـما في كل اتجاه، فـوصلـت إلى صندوق مليء بالمأكولات الطيّبة التي يمكـن أن تُشبِعَـني لسنين، وتُـشبِعَ طائفـتي كلها – لو قـبلوا -، فـتنقّـلت بين جنباته آكل من خيراته ما أشاء، إلاّ أنه بين الحين والآخر أشعـر بخطر ينصبّ عليّ من أعـلى فأندَسُّ هارباً لأخـرج بعـد قـلـيل لأبحث عن طعامٍ جديدٍ بنكهة أخرى.

بقـيت على هذه الحال زمناً فكـبرت، وسمـنت، وترعـرعـت في الحيّ، وكنت أصحـب بعـض معارفي أحيانا إلى ذلك الصندوق فـنأكل ما نشاء ونلهو كما نشاء. إلى أن جاءت هـذه اللحظة التي رأيتموني فـيها فـقـد أحببت أن أتمشى خارج الصندوق عـلى بلاط الغـرفة اللامع، فأرقـص وألهـو كما يفعـل الآخـرون إلاّ أنّ مخـلوقاً ضخماً يمشي في الأركان دخـل الغـرفة رآني؛ فجـرى خلفي؛ فجريت، وأسرع ، فأسرعـتُ، وهـو يخبط بـقـدمه ليصيبني وينال مني، وأنا أهـرب وأجري بكل ما أوتيت من قـوة هـنا وهـناك، وصاحب القـدم الكبيرة يجـري خلفي، ويعـلـو سمائي، ثم يحاول بقـدمه الهـبوط فـوقي، والنيل مني، وإنهاء حياتي، وأنا أذهـب يمنة ويسرى لا ألوي على شيء سوى النجاة، وكنت أسمع صراخا لامرأة  يملأ المكان، ويُسمع الجيران، وكأنّ بلاء حلّ فـوق رأسهـا، وأنا أجـري وأجـري أبحـث عن أي ركن آوي إليـه، أو مخـرج أنجـو به من خبطة صاحب القـدم الكبيرة، وما أنقـذتني غـير فـتحة صغـيرة ينساب فـيها الماء انسيابا قـويا، فـدخـلـت فـيها، ولولا أني لم التجئ إليها لكنت الآن من الهالكين، أو طعاما لصاحب الفك القارض،  فاحذروا يا أصدقائي وخذوا حذركم ممن يكرهكم، ويخاف منكم، ويـحرص على قـتـلكم، بل سحقكم. وللأسف نحـن نعـيش مضطهـدين في مجتمع لا يسمح لنا بتناول حتى بقايا الطعام، ولا نستطيع أن نمارس فـيه حريتنا مثـل كـثير من المخـلـوقات، وقـد بلغـني أنه في بعـض البلاد، يعـيش أصحابنا في مزارع خاصة، مُرفّـهـيـن، يقـدّم لهـم الطعام والشراب لفـتـرة من الـزمن، ومن ثم يؤخذ الكبير منهم، دون رجعة، ولقـد عـرفـتُ فـيما بعـد أنهم يُقـدَّمونهم بأطباق شهـيّة، لأصحاب القـدم الكـبيرة.

وبينما كان هـذا الكائن يحـدّث أصحابه إذا بدخان يملأ المكان، وإذا به يشعـر والآخـرون بالاختناق، فـنادى أصحابه \بصوت خـفـيض، لقـد أدرَكَنا صاحبُ القـدم الكبيرة بالرذاذ القاتـل، فـمن كان يستطيع منكم النجاة فـلـيفعـل.

وكانت هـذه هي آخـر كلماته، ولم يُرَ بعـد ذلك أي أثر له غـير أجزاء قـيل: إنها بقايا صرصار، كانت تحملها مجموعات من النمل أصحاب الـفـكّ القارض إلى أوكارها، لتخبّئها إلى الشتاء مؤونة العام كلّـه.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=44294

ذات صلة

spot_img