دكتور زياد علوش . لبنان العبث السياسي والخطر الوجودي 

بقلم دكتور زياد علوش

مجلة عرب استراليا – سيدني- العبث كسلوك سياسي دليل عدوانية ثأرية تدميرية،تنشأ من الطبيعة الذاتية المتناقضة وترتبط فلسفياً وثيقاً بمذهبي الوجودية والعدمية. والعبثية السياسية, نظرية سياسية متعارف عليها تستخدمها الأنظمة الاستبدادية, وذلك بصناعة العديد من الأحداث المتناقضة والمتداخلة وغير المفهومة, مما يسبب تشتيت العقول والأفكار وإدخالها في دوامة من الإرباك والتيه, فلا تستطيع فهم الأحداث أو تفسيرها, ولا تقدر كذلك على وضع خطة إستراتيجية صحيحة, وذلك لصعوبة قراءة الواقع جيداً أو المشهد الذي يحيط بك.

ولا تستطيع استقراء المستقبل بصورة سليمة, وكل ذلك بسبب العبثية المتعمدة للأحداث, وباختصار شديد: العبثية السياسية تعني خلق فوضى سياسية توحي بأنها غير منتظمة لكنها في حقيقة الأمر هي عبثية منتظمة تسير وفق خطة وإعداد مدروس يؤدي إلى النتائج التي ينشدها من أوجد هذه العبثية.

على قاعدة النكد السياسي” يخرب لبنان على أيدنا ولا يصلح على يد خصومنا” فكيف إذا كانت الخصومة عامة وشاملة،ولأجل النزوات الفئوية يتم تعطيل البلد لأسابيع وأشهر وسنوات يعقبها الرضوخ للأمر الواقع، فيما الخسارة وجودية تعم كل اللبنانيين في ثلاثية الجوع تدهور”الاقتصاد المال النقد”.

مما ادر كناه في العلوم السياسية أنها،إدارة للشأن العام ضمن الإمكانات المتاحة بما يحول دول حصول المغامرات وبالتالي هي سعي دائم لتحسين ظروف حياة المواطنين أي تحقيق مجتمع الرفاهية،حيث يقبع لبنان وشعبه العظيم مخترع الأبجدية ذيل القائمة ويتصدر كتاب غينيس للشقاء والأول عالمياً في إضاعة الفرص البديلة الممكنة.

بعيداً عن أل “الحريري” افتقدت السياسة اللبنانية منذ العام 1975 لروح المبادرة إلا ما ندر،مبادرات رفيق الحريري كلفته حياته فهل مغامرات سعد الحريري ستؤدي به إلى الاعتزال السياسي في ظل صمت “سعودي فرنسي أمريكي” مهيب استبقه تصريح سعودي ملكي بوجوب نزع سلاح حزب الله وأعقبه إعلان الحريري لمبادرته والذي يعيده البعض لفن التفاوض “أوعدم وضع البيض في سلة واحدة.

ربما فشل مبادرة الحريري ستشكل نهاية لمسيرته السياسية إلا أن السياسة الإقليمية والدولية ستستمر وفق منطق استمرار الحياة نفسها التي لا تقف عند احد مهما علا شأنه،فهل يكون الشقيق الأكبر “بهاء” الخيار البديل؟

في لبنان سبق وحرض الكثيرين من أمثال “بروتس” على سعد الحريري الرجل النبيل والذي لسان حاله اليوم “ربي نجني من أصدقائي فأعدائي وخصومي ارحم بي منهم” فهل يعيد الغربان كرتهم ويفتحون أفواههم “قابيل اين هابيل” .هناك مؤشرات من خلال محاولة إفشال مبادرته الأخيرة لصالح الشقيق الأكبر”بهاء” المتوثب لركوب أمواج السياسة المحلية،وعلى ما يبدو تضم خلطة “أساس ميديا” جعجع وجنبلاط ومعظم المستقلين والحر دانين داخل طائفة السنة وتيار المستقبل.

ودون إنكار الضغوط الهائلة والمسارات الشديدة التركيب الداخلية والإقليمية والدولية تتحمل خيارات الرئيس سعد الحريري العمودية والأفقية فيما خص الواقع اللبناني العام كما تياره السياسي حظها من المسؤولية حيث لا تشفع الأماني والنوايا الطيبة في المشادان السياسية،ربما يثير البعض هنا إشكالية العلاقة بالمستشارين والمقارنة زمن الرئيس رفيق الحريري.

ليس إمام الحريري خيار إلا القتال لإنجاح مبادرته وفق منطق الترغيب الفرنسي والترهيب الأمريكي والصمت الخليجي والعربي التي تعني في حال نجاحها الهلع والرعب للحلفاء والخصوم على حد سواء وتضعه في موقع القائد المنقذ ويعتلي صهوة المنصة من أوسع أبوابها.

ما إن أطلق الرئيس سعد الحريري محركاته على أساس المبادرة الفرنسية بهدف وقف التدهور وإعادة الأعمار على أساس حكومة التكنوقراط لستة أشهر ببرنامجها الإصلاحي “المتفق عليه” في اللقاء الجامع في قصر الصنوبر، حتى اطلق الحلفاء قبل الخصوم رشفات الحمية الدستورية والقانونية ممن استباحها بمناسبة ودون مناسبة وومن استحلفه الإقدام بأغلظ المصالح الوطنية من قبيل:

“سعد الحريري” كلف نفسه بنفسه ونصب ذاته على مبادرة ماكرون،ولم يكتفي ورؤساء الوزارة السابقين الأربع بإدارة ورشة السفير مصطفى أديب..

في الظروف الوطنية الطبيعية من حق الطبقة السياسية المشادة السلطوية والحديث عن شكل الحكومات والحصص وخلافه لكن التعطيل لمجرد التعطيل والانتقاد لمجرد الانتقاد دون تقديم البدائل الممكنة شيء من العبث ليس فقط السياسي بل الوجودي في ظل واقع الخطر على الكيان اللبناني حسب التعبير الفرنسي،بل وفي عداد الإبادة والجرائم الأخلاقية والإنسانية في ظل الكوارث المتسلسلة من جائحة كورونا مروراً بانفجار المرفأ وتدهور الاقتصاد والعجز عن تأمين الضرورات الحياتية للمواطن،وإلا ماذا يعني هذا الذل والبؤس الاقتصادي الاجتماعي في غياب الإرادة والعزيمة الشعبية التغيرية التي انتهت بتعليب “17 تشرين” وقد نال من حياة معظم اللبنانيين بسبب غنج ودلع وترف الطبقة ليس السياسية او السلطوية بل مافيا الفساد والإفساد.

انتهاء عهد الامتياز اللبناني 

الدلع على الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين لم يعد ممكناً لدى شعب باتت حاجته “يعيش ليأكل لا يأكل لكي يعيش” بفعل التحريض الداخلي الدائم لصالح المحور الإيراني الذي فشل في تقديم نموذج اقتصادي لحاضنته على امتداد محوره،ودون تبرير لابو ظبي والمنامة ومن سيلحق يهما نحو تل أبيب.

لقد كانت السياسة الإيرانية في طليعة الدوافع التي أدت ببعض العرب للتهافت الى التطبيع مع العدو حيث كان للذراع اللبنانية الحظ الوافر منها والتي أدت لانتهاء الامتياز اللبناني لصالح تل أبيب.

ووضع بيروت تحت الحصار وخارج المعادلات الا من بعضها مثل “اتفاق – الاطار” حول ترسيم الحدود البحرية بإشكالاته البرية حيث تتم المقاربات بتوقيت مشبوه وتعارض بروح من الفؤية والكيدية السياسية والوطنية وعلى هذا الأساس ربما يتمخض عنها نتائج عكسية كورقة تصب في سلة المفاوض الايراني ليس إلا، وتعمق أزمة العزلة والخسارة اللبنانية وقد شهدنا ديباجة التناتش حول الوفد المفاوض بين الرئاسات الثلاث.

ومع تواتر المعلومات عن تدهور العملية التربوية والتعليمية وما يطال الحياة الأكاديمية ينبغي دق جرس الاتزار نحو تحول معظم الشباب اللبناني إلى افتقاد مهارات أسواق العمل في ظل التنافس الدولي حول الجيل الخامس من التكنولوجيا ودانا المعلومات حيث عصر “الرُحل الرقميون” .

حذاري الإمعان في التعطيل السياسي والاسترسال في تدمير علاقات لبنان العربية والدولية  فقد أضحى لبنان خارج تلك المعادلات وبالتالي خارج خطوط  الإمداد و”الطاقة الهايدرو كربونية”  النفط والغاز وسكك الحديد المستجدة وحركة المرافئ والتبادل المصرفي والسلعي…لعلها الدولة الفاشلة والمارقة

بعيدا عن التوصيف واجترار مشاعر القهر لبنان خارج المعادلات الاقليمية والدولية ولم تعد تحييه الهبات والمساعدات وتحريك عجلة الاقتصاد بحفلات “التنمبولة” عليه ان يصنع نموذجاً قادراً على مواجهة تحديات العالم المعاصر وكل النماذج الحقيقية في علم التنمية ونظرياتها للتغلب على قصة نشؤ التبعية والفقر واستمرارهما تنبثق عن إرادة وطنية استقلالية حقيقية بعيد عن الاستلزام للخارج الذي ينبغي التخلص منه مرة واحدة والى الابد

تتمخض أطروحة انتظار ما بعد انتخابات الرئاسة الامريكية على مخاطر جمة تتعلق بالذهاب نحو البعد اليائس وفق قاعدة “إذا دخلت نفقاً ولم تجد الضؤ،فأوغل” فيما لو قدر للسياسة الأمريكية الإيرانية الاستمرار على ما هي عليه مع “ترامب” او دونه،حيث سيضطر الحلف الممانع وبمؤشر واضح من دمشق حول “السلام مقابل السلام” إما الى المزايدة في الهرولة نحو التطبيع على قاعدة “لا يجهلنا احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين” او الذهاب الى الحد الأقصى من خيارات المحاور وحكومة اللون الواحد،فيعتزل سعد الحريري ويتجرع مبادرته وتنتهي الحريرية السياسية بوسطياتها واعتدالها لصالح الطاولة المقلوبة على 15 ألف مقاتل والصواريخ الدقيقة.

رابط مختصر…https://arabsaustralia.com/?p=11656

الدكتور زياد علوش
الدكتور زياد علوش

كاتب صحفي ومحلل سياسي

 

 

 

 

 

مساحة إعلانية مدفوعة

 [email protected] لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني