مجلة عرب أسترالياـ أستراليا: قانون جديد يمنح المستخدمين التحكم بالخوارزميات
تتجه أستراليا بخطى حثيثة نحو إحداث تحول جذري في المشهد الرقمي، وذلك عبر صياغة مقترح قانوني جديد يضع تنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي في صدارة أولوياتها التشريعية. يهدف هذا التحرك الجريء إلى منح المستخدمين قدرة غير مسبوقة على التحكم المباشر في الخوارزميات المعقدة التي تتحكم في طبيعة المحتوى المتدفّق أمامهم يومياً. يأتي هذا التوجه في خضم نقاش عالمي ومحلي متصاعد حول التأثيرات العميقة التي تفرضها خوارزميات المنصات الرقمية على سلوك الأفراد، وطريقة تفكيرهم، وتفاعلهم مع الأحداث المحيطة بهم.
تعتمد المنصات الرقمية الحالية بشكل كلي تقريباً على أنظمة ذكية وأكواد برمجية تتحمل المسؤولية الكاملة عن اختيار المنشورات، ومقاطع الفيديو، والإعلانات المقترحة لكل مستخدم على حدة. تُبنى هذه الاختيارات حصرياً على تحليل دقيق لنشاط المستخدم الرقمي، واهتماماته السابقة، وساعات تصفحه، مما يخلق بيئة افتراضية موجهة ومصممة خصيصاً لكل فرد. هذا الاعتماد المفرط أثار تساؤلات أخلاقية واجتماعية حول مدى استقلالية خيارات الأفراد وسط هذه الفقاعات الرقمية المغلقة.
يسعى التشريع المرتقب إلى كسر هذا الاحتكار البرمجي عبر منح المواطنين خيارات أوسع وأكثر مرونة للتعامل مع أنظمة التوصية الحالية. تتضمن هذه الخيارات إمكانية تعطيل بعض الخوارزميات تماماً، أو تقليص قدرة المنصات على تتبع السلوك الشخصي بهدف تخصيص المحتوى. ويرى المؤيدون لهذا التشريع أن المستخدم يجب أن يكون هو صاحب القرار النهائي في صياغة تجربته الرقمية، وألا تترك خوارزميات الشركات العملاقة لتنفرد بتحديد ما ينبغي للناس رؤيته أو التأثر به.
تتجاوز أبعاد هذا المقترح الجانب التقني البحت لتلامس مخاوف أعمق تتعلق بتشكيل توجهات الرأي العام والتأثير على الصحة النفسية للمستخدمين. فالعديد من الخوارزميات الحالية مصممة هندسياً لتعزيز معدلات التفاعل وإبقاء المستخدم مسجوناً داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة، وغالباً ما يتم ذلك عبر ترويج محتوى مثير للجدل أو الانقسام. ومن شأن هذه الخطوة الأسترالية أن تخفف من حدة تلك الآثار السلبية عبر إعادة توجيه دفة التحكم لصالح الإنسان لا الآلة.
في المقابل، يواجه هذا التوجه الاستثنائي حزمة من التحديات التقنية والتنظيمية المعقدة على أرض الواقع. تعتمد شركات التكنولوجيا الكبرى على بنى تحتية خوارزمية شديدة التعقيد تعمل وفق معايير عالمية موحدة، مما يجعل إخضاعها لقوانين محلية أمراً دونه شجون ويتطلب آليات رقابة صارمة ومرنة في آن واحد. ورغم هذه الصعوبات، يعكس الموقف الأسترالي رغبة سياسية متنامية لفرض حدود واضحة لسطوة شركات التقنية الكبرى على الحياة اليومية للأفراد، ومنح المستخدمين دوراً محورياً في حماية بياناتهم وتقرير شكل تفاعلهم مع العالم الرقمي.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=48418



