خلدون زين الدين ـ “النمر الأفريقي الواعد”… مُهدَّد بالتفتّت؟

مجلة عرب استراليا سيدني- “النمر الأفريقي الواعد”… مُهدَّد بالتفتّت؟

الكاتب والإعلامي خلدون زين الدين
الكاتب والإعلامي خلدون زين الدين

بقلم الكاتب خلدون زين الدين-النهار العربي 

في أسابيع قليلة قلبت “جبهة تحرير تيغراي” المعادلة العسكرية في إثيوبيا. أسست تحالفاً يضم تسع حركات مسلحة، عززت تلقائياً الانقسامات العرقية القومية “الملتهبة” أصلاً، وزحفت نحو أديس أبابا… لتصيب مقتلاً وحدة البلاد الموصوفة بـ “النمر الأفريقي الواعد”.

… في السنوات الأخيرة، حققت إثيوبيا نمواً قوياً وواعداً، تسابق المراقبون إلى توصيفه. قالوا إنها قاطرة اقتصادية محتملة، رأوا فيها قطباً محتملاً للاستقرار الإقليمي… لكنها تعاني الآن من شبح الانهيار. حكومة آبيي أحمد، وجهت الاتهامات إلى “جهات خارجية” بالسعي إلى تحويل البلاد إلى سوريا أو ليبيا جديدة في المنطقة.

من يحكم… وكيف؟

إثيوبيا أول دولة أفريقية تنال استقلالها. ثاني أكبر دول القارة السمراء بعد نيجيريا في عدد السكان، هي موطن الكنيسة الأرثوذكسية إحدى أقدم الكنائس المسيحية على الإطلاق في العالم، ونظامها بين أقدم الأنظمة الملكية في القارة.
التاريخ هذا لم يمنع طرح الأسئلة الحقيقية عن الوحدة، عن استمراريتها ومتانتها في بلاد طالما أُخذ عليها غياب الهوية الموحدة والخلافات العميقة حول من يجب أن يحكم وكيف. أتت الحرب الأخيرة لتُعزز ذلك.

“الفورين أفيرز” نشرت تحقيقاً قالت فيه إن القتال يقود إلى السؤال الجدي عن إمكان نجاة إثيوبيا من التفتّت. المجلة الأميركية كتبت تقول إنه “من دون رؤية مقنعة ومشتركة على نطاق واسع للدولة الإثيوبية، لن يتمكن آبيي أحمد ولا أي خليفة محتمل من منع قوى التفكك من الصعود على حساب قوى التوحيد والتماسك”.

سيناريوهات

لنُسلّم أن تحالف “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” و”جبهة تحرير الأورومو” انتصر في هجومه على العاصمة أديس ابابا، فمن المرجح أن يؤدي الاضطرار الى تقاسم السلطة إلى إبراز التوترات الطويلة الأمد بين المجموعتين، ما يزيد من خطر عدم الاستقرار السياسي، تذكر المجلة.

الصراعات عميقة. المصالح ليست مشتركة أو متطابقة، بل آنية وحسب، برأي المتابعين للشأن الإثيوبي. لنفترض أن “جبهة تحرير تيغراي” قررت عدم الاستمرار في الاستيلاء على العاصمة من أجل السلام بشروط مواتية والمطالبة باستفتاء على قدر أكبر من الحكم الذاتي والحماية للتيغراي، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تصعيد التوترات مع حليفها جبهة تحرير الأورومو التي تدعي أن العاصمة هي قلب إقليم أوروميا، وسيترك الدوافع الكامنة وراء الصراع من دون حل”.

من السيناريوات المطروحة للنقاش، انقلاب الجيش الحكومي لخلع آبيي أحمد، أخذاً بالاعتبار انقسام الجيش الاثيوبي حالياً وعجزه عن هزيمة الزاحفين نحو العاصمة. حتى هذا الاحتمال لن ينتهي بحل الصراع. الاحتمال المعاكس ليس بسيطاً أيضاً. فإذا تمكن الجيش الحكومي من التمسك بالعاصمة وخط القطار الرابط أديس أبابا بجيبوتي، فإن آبيي أحمد سيتعرض لضغوط أكبر لمتابعة تسوية تفاوضية، تُحلل “الفورين أفيرز”.

المجلة تشير إلى المناقشات السرية بين ممثلي المتقاتلين في العاصمة الكينية نيروبي، لتقول إن أي تقدّم لم يُسجّل، “ويرجع ذلك جزئياً إلى أن كلا الفريقين يضم متشددين يرون أن التسوية خيانة، أي بغض النظر عن الطريقة التي سينتهي بها الصراع الحالي، فإن الاستقرار، وفي نهاية المطاف، بقاء الدولة الإثيوبية سيتطلبان من قادة الدولة وضع رؤية جديدة للبلاد يبدو أنهم غير قادرين عليها حالياً”.

بذور تاريخية

أزمة إقليم تيغراي سلطت الضوء على خطر تفكك إثيوبيا، لكن مهلاً، بذور عدم الاستقرار في هذه البلاد تعود حتى الى نهاية القرن الـ 19، إذ لم تشهد سلاماً داخلياً إلا نادراً. ليس سراً التنوع الإثني في إثيوبيا. هي البلد الرقم 27 الأكبر في العالم من حيث المساحة وموطن لأكثر من 80 مجموعة عرقية مختلفة، “لكن لا الجغرافيا ولا الديموغرافيا هما القدر، فالقادة الإثيوبيون المتعاقبون أثاروا التوترات العرقية والمناطقية، وحكم كل منهم بطريقة أعطت مجتمعاً واحداً على الأقل سبباً للشعور بالظلم”.

“فيسبوك”Facebbk

كما في الميدان، كذلك في العالم الافتراضي… معارك كلامية وخطابات كراهية، أشارت إليها فرانسيس هوغن المُبلغة عن المخالفات على “فايسبوك” لأعضاء مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة استماع الشهر الجاري. “الحديث الخطير عبر الإنترنت في إثيوبيا أدى إلى عنف حقيقي يضر بالناس بل ويقتلهم”، قالت، معترفة بأن عملاق وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تفتيت الدولة.

نزاعات داخلية

ما لا يقل عن ثلاث عشرة مجموعة عرقية مختلفة تطالب حالياً إما بمزيد من الحكم الذاتي أو الانفصال المكفول دستورياً، لكن تلبية المطالب هذه صعبة للغاية، تخبرنا “الفورين أفيرز”. على سبيل المثال، تطالب مناطق مثل تيغراي وأمهرة بأجزاء من أراضي بعضها بعضاً وقد ظلت عالقة في نزاعات حدودية طويلة الأمد. وهناك نزاعات أخرى أكثر تعقيداً تجري بين سكان الإقليم الواحد مثل إقليم سيداما حول الانفصال أو الوحدة. “تؤكد مثل هذه الأمثلة الصعوبة الهائلة في إدارة الفسيفساء العرقية المعقدة في إثيوبيا والحاجة الملحة إلى رؤية موحدة إذا كان للبلاد أن تنجو من التفكك”.

… لمنع تفكك الدولة، “يجب على قادة إثيوبيا إيجاد طريقة لإعادة توحيد البلاد مرة أخرى، مادياً ورمزياً. القيام بذلك يتطلب ثلاثة أشياء بنظر المجلة الأميركية، “لن يكون أي منها سهلاً”، وهي: تأمين سلام دائم، إعادة بناء تيغراي والأجزاء الأخرى من البلاد المتضررة من الحرب، والتوصل إلى إجماع حول فكرة إثيوبيا وهويتها الموحدة.

 

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=20167