حفل إطلاق كتاب الدكتور رغيد النحّاس بحروف مائلة

مجلة عرب أستراليا سدني – حفل إطلاق كتاب الدكتور رغيد النحّاس بحروف مائلة

بدعوة من منشورات كلمات ومؤسّسة الجذور الثقافيّة، أقام الدكتور رغيد  النحّاس حفل توقيع كتابه الجديد “بحروف مائلة”، في قاعة ((Lakemba Senior Citizens’ Center  في مدينة سيدني. وتمّ نقل الاحتفال مباشرة عبر تطبيقي “زووم” و”فيسبوك”.

قدّمت الحفل الأستاذة رقيّة برهان شعبان، الحائزة على ماجستير في علم اللغات من فرنسا.

بدأ الحفل بكلمةٍ باللغة الإنكليزيّة للأستاذ كنيدي إسطفان، الكاتب ومدرّس العلوم في مدارس سيدني.

وبعدها ألقى الدكتور علي أبو سالم، رئيس مؤسّسة الجذور الثقافيّة، ورئيس تحرير الجذور، من ملبورن، كلمة باللغة العربيّة.

ومن لندن، كانت كلمة للأديب والإعلامي ناهد أبو زيد .

وأخيرًا، كانت كلمة المؤلّف الدكتور رغيد النحّاس، أتبَعَها بقراءتين شعريتين من المجموعة، باللغتين العربيّة والإنكليزيّة.

خُتمت الأمسيّة بتوقيع الكتاب، وعشاء خفيف.

وقبل أن يبدا النحّاس بكلمته الأساس، وجّه عبارات الشكر لكل من ساعد في الحفل: وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي روّجت للحفل، والسيّدة انتصار خير الله التي سمحت باستخدام القاعة، ومنسقّة الحفل السيّدة سناء أبو خليل، وعريفة الحفل الآنسة رقيّة برهان شعبان، ومديرة المبيعات الأستاذة علا بيّاض، والسيّدة كيلدا عيد التي قامت بالتصوير، والسيّد عزت أبو خليل الذي ساعد في التجهيزات، والسيّد مصطفى الزقزوق الذي ساعد في النواحي التكنولوجيّة.

وطبعًا شكر صديقيه الأستاذ كنيدي إسطفان الذي أطلق الكتاب، والدكتور علي أبو سالم الذي أدار حلقة “زووم” من ملبورن وألقى كلمة.

وختم حديثه عن ذلك بعبارة ملفتة فقال: “ما أجمل هذا التضامن الذي يعطي الإحساس بأنّنا اجتمعنا كما تجتمع العائلة الواحدة في جلسة سمر: الفكرُ خمرُها ، والكلمةُ طعامُها، والتواصلُ نديمُها.”

 

حفل إطلاق كتاب الدكتور رغيد النحّاس بحروف مائلة
حفل إطلاق كتاب الدكتور رغيد النحّاس بحروف مائلة

 

مقتطفات من كلمة الدكتور رغيد النحّاس في حفل إطلاق كتابه “بحروف مائلة”

اخترتُ عنوان “بحروف مائلة”، لمجموعتي الحاليّة، لأمزج بين الجدّ والدعابة في آن واحد. فأنا دائمًا أعلن عن إيماني بالتكامل الحياتيّ، والتماهي مع الحزن والفرح، محاولًا الحفاظ على نظرة إيجابيّة للحياة، والعمل على توظيفها في خدمة النواحي العمليّة لتصرّفاتي.

“الحروف المائلة”، في الطباعة الإنكليزيّة، تُستخدم للتأكيد على ما هو مكتوب بها مقارنة مع بقيّة النصّ. هذا هو الجدّ الذي عنيته. ولعلّي من وجهة نظرٍ شخصيّة أريد لكلماتي كلِّها أن تحظى بهذا التأكيد. أمّا الدعابة فهي في ما يمكن أن يوحي به “الميلان”، خصوصًا لدى المتلقّي العربيّ، بكلّ ما في الانحراف والاستقامة، والرخاوة والقساوة، من مدلولات. فهل يجب أن نميل لنستقيم؟ لا أعتقد ذلك.

الخير والشرّ، والجمال والقبح، والسلام والحرب، والماء والنار، بعضٌ من وجودنا، وعلينا التعامل مع كلّ هذه العوامل واختيار النمط الذي نريد. كلّما كان هذا الاختيار أنانيًّا فرديًّا، كلّما تعرّضت الأنسانيّة للخطر.

وكلّما كان الاختيار مستندًا على المصلحة العامّة، كلّما اقتربنا أكثر من حلّ المعضلة الإنسانيّة، وبالنتيجة المساهمة في الحفاظ على الكوكب الذي نعيش عليه، والذي بات قريّة كونيّة واحدة.

التكامل بين حاجة الفرد والمجتمع، لا يعني إلغاء طرفٍ للآخر. هو “تكامل”. هو فنّ وعلم وطريقة. وأعتقد أنّه يبدأ بتمييز أنّه يجب أن لا نُبعد “الروح” عن الجسد. حين يدرك الفردُ ذاتَه، بكلّ تسامي معانيها، يصبح أكثر قدرة على التفاعل والتعاون.

قرأ الدكتور علي أبو سالم كِنه ذلك في كتاباتي، فكتب ضمن كلمته على الغلاف الخلفيّ للمجموعة: “… فالحياة التي يبدعها النحّاس في قصائده، ويستحضرها كمكوّناتِ ذاكرةٍ للزمن، تؤكّد ضرورة التمسّك بكلّ ما هو جميل، حتّى تنْعَمَ الروح بالغناء الدائم مع الجسد.” وأنا أشكره على أشياء أخرى كتبها، بمختصر مفيد، أعتبرها تُوْفي حقَّ ما أنا إليه.

أمّا “التضاريس العاطفيّة، الحيّةِ بالصور، المشحونةِ بالشغف الذي يأبى الارتواء”، التي تحدّث عنها الأستاذ كنيدي اسطفان، أيضًا على الغلاف الخلفيّ، فهي فعلًا ما أحسّ به حين أكتب. أحسّ بأنّني أحمل عدسةً نافذةً إلى فؤادي، بها ألتقط المشاهد وأنا أحوم حولها وبين أصقاعها دون كلل أو ملل.

سبب هذه العاطفة برأيي، وأنا السائرُ في درب التكامل، أنّني أتوخّى الذكاء العاطفيّ الذي يعلو عن مجرّد النزوة الغريزيّة الفطريّة. مثلًا خوف الأمّ على أولادِها شأن غريزيّ أنانيّ فطريّ له علاقة ببقاء النوع بالأساس. ولا يرتقي إلى الحبّ إلّا بالذكاء العاطفيّ.

وأنوّه هنا أنّني حين أكتب، لا أخطّط للكتابة بل تأتيني الفكرة وتتدفّق الكلمات. غالبًا ما يحدث هذا أثناء مسيرتي الصباحيّة فأهرع إلى مكتبي حين أعود إلى البيت لتدوين ما فكّرت به، لأنّني لا أمتلك ذاكرة جيّدة، فلا أحفظ ما أكتب.

وحتّى حين أكتب القصّة، أجلس وأدوّن فكرة ما، وأواصل الكتابة دون أن أعلم تمامًا كيف ستتطوّر، وأين ستأخذني. لا مانع عندي أن يكون العمل إبداعيًّا لا احترافيًّا. أفضّل أن أبقى من الهواة.

هذا لا يعني، طبعًا، أنّني اترك الأمور على سجيّتها حين يأتي وقت النشر. أراجع نفسي بمنظار الناقد، وأعطي عملي اللبوس اللغويّ والتركيبيّ اللائق.

أؤمن وأعمل وفق ما أسمّيه ثنائيّة “التاء”. أتذكّر هنا أحفادي حين ينادون جدّتهم “تي تي” بكل جمالها وأهمّيتها لهم. التاء الأولى هي “التخليق”، وهو إشارة إلى إبداع الفكرة. والثانية “التقانة”، وهي إشارة إلى عرض الفكرة. المهم أن تخدم التقانة الفكرة لا العكس.

مثلًا، “نَظْمُ” الشعر، الذي هو تقانة، لا يرقى إلى الشعر الجيّد بحدّ ذاته مالم يطوّع في خدمة الفكرة الأساس. أي أن تكون الألفاظ على قدر المعاني لا أن تحشر الكلمات الزائدة لمجرّد ضرورة الوزن.

ولهذا نجد أنّ كثيرًا من الشعر الموزون (المنظوم)، برأيي، هو مجرّد عرض عضلات صاحب تلك الموهبة، وحزلقة لا معنى ولا جدوى منها. وكذلك أعتقد أنّ الشعر المنثور يكون أكثر صعوبة من الموزون لأنّه يفقد سلاحًا موسيقيًّا قويًّا، فيعتمد على الموسيقا الداخليّة التي لا ضابط لها. ومأساة الشعر المنثور أنّه صار مطيّة لكثير من الناس الذين يعتقدون أنّه طالما زالت ضرورة الوزن الذي لا يجيدون، فإنّ ما يكتبونه يمكن أن يكون شعرًا، بينما هو في حالات كثيرة نثرٌ سيّء.

الشاعر خالد الحلّي، مثلًا، من الذين يجيدون الوزن الشعريّ، ويوظّفونه في خدمة الفكرة بشكل لائق، وله صوت خاصّ وطريقة مميّزة. أحببت في مراجعته لـ”بحروف مائلة”، ونُشرت مؤخّرًا في التلغراف في سيدني، أحببت استذكارَه لمجموعتي “بدر”، وكيف أنّه ربط بينها وبين المجموعة الحاليّة من ناحية إشراقات البدر التي أستَخْدِمُها لوصف التقلّبات والتفاعلات الحياتيّة. ويضرب لنا، بذكاء، أمثلة من المجموعتين. ويذكر لنا ما سبق أن علّقت به المستشارة الأدبيّة، والشاعرة الأستراليّة ليات كيربي، على مجموعة “بدر”، إذ قالت: “فلسفةُ الحبّ وماهيّتُه القاطعة لدى المبدع النحّاس، وما يجب أن يتطلب من الأحبّة، تتمثل في التناظر الإعجازيّ بين الطبيعة والكون. ولهذا، فكلّ الأشياء ذات صلة ببعضها الآخر، أو يمكن أن تتحقّق هذه الصلة إذا توفّرت الإرادة لدى البشر.”

ليس أحبّ إلى قلبي من سماع كلمات مثل “فلسفة” و”حبّ” و”التناظر” و”صلة” و”إرادة”. هذه الكلمات تعبير عن الديناميكيّة التي يجب أن تتوفّر لفهم أنّ المادّة والروح شيء واحد. وإذا لم يكونا كذلك فلأنّ الإرادة غير متوفّرة، ولأنّ الثقافة الموروثة تعيق توفُّرَها.

وسرّني جدًّا أنّ الحلّي تطرّق إلى أعمالي التصويريّة التي رافقت الكتاب فقال: ” … الكتاب أطلّ علينا بحلَّة إبداعيّة خلاّبة، من بعض ملامحها تَضَمُّنَه سبعٍ وعشرين لوحة فوتغرافيّة مبهرة، التقطتها العدسة المبدعة للدكتور النحّاس، وجاءت منسجمة انسجاماً إبداعيّاً راقياً مع النصوص التي ضمّها الكتاب بين دَفتيه.”

وما اختياري لتضمين الكتاب هذه الصور سوى تأكيدٍ آخر على هذا التكامل. وفاجأني الصديق الدكتور علي أبو سالم في ندوة عنّي ضمن برنامج “الجذور هذا المساء” يوم السبت التاسع والعشرين من يناير الماضي، حين استخدم عنوان “رنيم الصور” للمحور الثالث من الندوة، والذي كان عن هواياتي. ويقول أبو سالم إنّه حين يشاهد ما ألتقط من صور، إنّما يشعر أنّه يستمع إلى الموسيقا.

أستهلّ مجموعتي “بحروف مائلة” بعبارة: “خرجت منك يا دمشق، فما بالَك لا تخرجين منّي؟”

من الطبيعيّ أن يسرع كثيرون إلى إلباسي الرداء النمطيّ للمهاجر المكسورِ الفؤاد، الذي يحنّ إلى الماضي، خصوصًا عند تكراري لمثل هذه العواطف. مثلًا، سبق أن ذكرت في مجموعتي “بدر”: “دمشق و‘بَدْرُ‘، حبيبتي، امرأة واحدة، تحبّني لكنّها لا تريد الوقوع في غرامي.”

نعم أنا مغرم بدمشق التي ولدت فيها منذ عشرة آلاف سنة، لكنّني لست أنا المهاجر، بل هي من هاجرت معي. أنا الولد العاقّ الذي خرج عن طوع أمِّه، لكنّه لم ينكر فضلها عليه مطلقًا، على الرغم من أن “الخروج” هو أشدّ أنواع الإنكار. ولكن أليست الأمّ مسؤولةً عن عقوق الأبناء؟

أوليس من المفروض من دمشق التي أصبحت حبيبتي أن تتجاوزَ دور الأمّ، وتقرَّ أنّني ضاجعتها جسدًا وروحًا، وتَكُفَّ عن الاكتفاء بالحبّ الغريزي، وترقى إلى الوقوع في غرامي؟

فلسفتي في هذا الموضوع ألخّصها في قطعة قصيرة من الكتاب بعنوان “مثقالُ ذرّة”، فأقول:

موطني حيث كنتُ

بلدي حيث أنا

وقبري حيث أصير.

 

الشام مولدي

الدنيا مرتعي

والكون إليه المصير.

 

أنا ذرّة مُثْقَلَةٌ بكَرَم الوجود

تحملني نسائمُه

أينما تسير.

أنا حين أذكر الماضي، فما يغلب على هذا هو رغبتي في تبيان القيم والجماليّات التي أعتبرها سرمديّة تصلح لنا وللمستقبل. هذا ليس حنينًا إلى الماضي، بل رغبةً في ترسيخ المستقبل على أسس مدماكُها الحبّ والسلام والسعادة. وهذا ليس التزامًا بالمعنى التقليديّ. الإبداع ليس من الضرورة أن يكون ملتزمًا أو مقيّدًا بشيء. يمكن للفنّ أن يكون فنًّا للفن، ولكنّه يكتسب روعة ورونقًا إن كان يخدم قضيّة.

سواءٌ في “بدر”، أو في “بحروف مائلة”، أو في أيّ من كتاباتي النثريّة، أتعمّد إثارة النُزعة الفلسفيّة في ذاتي ولدى المتلقّي. إثارةُ السؤال أهمّ عندي من الإجابة. الإجابة لدى كثيرين تحمل مقوِّمات “اليقين”، بينما يبقى “السؤال” هو المحرّض الدائم على إعمال العقل والقلب.

حين أتحدّث عن الحبّ في علاقته بين جسدين، أحبّ حديثي أن يكون كناية عن تصالح الإنسانيّة مع ذاتها، وأن يوحي بلوغُ النشوةِ بضرورة إحلال المسرّة على الأرض كلِّها. أوليست هذه النشوة سبَبَ وجودنا المباشر؟

وفي السياق عينِه أرى أنّني حين اتحدّث عن “فاطمة”، التي وُصِفَت على أنّها سيّدة نساء العالمين، إنّما أراها سيّدة الإنسانيّة. أراها كذلك بفعلها وسيرتِها، ليس لأنّ أحدًا قال ذلك.

وإذا عدنا إلى الدُعابة، أختم المجموعة بقطعة قصيرة، بعنوان “أمنية”، أقول فيها:

لودَدْتُ أن أستقيل

من الحبّ كلِّه

وأعيشَ بسلام

كالأنعام  …

يمكنكم اعتبار هذا الكلام مجرّد “دلال”، فأنا حتمًا لا أعنيه. أنا لا أعيش بسلام دون حبّ، ولن أستقيل من الحبّ الذي هو الهواء الذي أتنفس، والذي أعتبره أهمّ عناصر بقاء وازدهار الإنسانيّة. هذا خصوصًا أنّ قطعة أخرى في المجموعة تناقض هذه القطعة، وتمثّلني بجدّ حين أقول:

أتوق إلى الانعتاق

من كلّ شيء …

إلّا من الحبّ

ولهذا أحبّ توصيل أعمالي بطريقة تتناسب مع كلّ المشاعر البشريّة من فرح وحزن ونجاح ومعاناة وتناقض.

 

كلمة الدكتور علي أبو سالم

أسعد الله مساءكم بكل خير ومحبة

يسعدني أن أكون في حضرة الإبداع هذا المساء ..حيث موعدُنا مع الحرف وجمال الكلمة ..مع الأدب والشعر ..

فكتاباتُنا هي أرواحُنا المجسدة ..

أصواتنا المرسومة …

صرخاتُنا المخلدة في رسومات اللغة ..

هي خواطرنا المعلقة على شِفا هاويات النسيان…

هي أشياءُنا الوحيدة التي تَشَبهُنا ..ونَشبهُها..

لذا ونحن في حضرة باحث ومفكر وأديب وشاعر متمرد على اللغةِ سعياً وراءَ الجمال، إسمحوا لي أختلف معه في تواضعه الذي هو أجمل صفة يمكن لأي مبدع ان يتحلى بها،  صحيحٌ  أن الدكتور رغيد النحّاس يرفض ان يُطلقُ عليه صفة الشاعر على الرغم من ان كتاباته التي جاءت كقصائد نثر فيها الكثير من الموسيقى التي تُطرب القارئ وتدفعه الى اكتشاف أن النحّاس  ارتضى لنفسه الأصالةَ  التي جمعت بين الحداثهِ والتراثِ ، حداثةُ الطرح  وتراثِ اللغة المخزون عبرَ ا لاجيال . وهذا  ، بدوره  يدفعنا  للقول بان النحّاس  في “بحروف مائلة” يمدُ يراعه الذي يحتفظ  بشروطه القاسية ” جسراً بين دمشق  وسيدني، بين الحاضر والماضي. هذه هي المعادلة  التي يحاول النحّاس  تجسيدَ حدودِها على مستوى نصوصه…. فتراه يقول (الشام مولدي الدنيا

مرتعي والكون إليه المصير.)

وفي مكان آخر يقول:

سأقود عربتي عبر أوقيانوس

راجعاً إلى الشر ق تاركاً لكم

شقيقتي سيليني نديمة لليلكم

وشقيقتي إيوس لتبدّد الظلام

وأشرق من جديد.

ويبقى السؤال هل نجح  …؟

إنه يكتبَ لغةَ الوطنِ حيث ما كان  فتراه يقول:

(موطني حيث كنتُ

بلدي حيث أنا

وقبري حيث أصير.)

مؤكداً في نصوص “بحروفٍ مائلة” بأنه لا يبحث  عن ذاته في ابتعادِ المكانِ به عن الذاكرة المألوفة، فالغربةُ عنده ليست سوى” انسلاخُ الذاتِ عن الذاكرة المألوفة” والكتابة عنده  هي المعادلُ الإبداعي لإعادة الأُلفة إلى ذاكرتنا…ذاكرة  هذه اللغة المنطلقة  في فضاءٍ واسعٍ في أقصى اطراف الأرض . فجاءت هذه النصوص لتؤكد لغة التواصل في زمن ضياع الوجدانيات .ذاكرة  هذه اللغة المتأصلة  في  وجدان شاعرنا ، فالشعر عند النحاس

(الشعر انفجار عظيم

لا تختزله حروفٌ ونقاط .)

نصوص “بحروف مائلة” يُحاولُ النحّاس فيها أن يضع الضماد على تفاصيل الجرح… وبلورة البديل … وأن يُغمضَ الصراخ في عينيه وهو يرى أن في وطنه ناراً بلا رماد. يُحاول أن يُغمضَ الشتاء في ضلوعه وأن يوقفَ الأمواجَ في بحارهِ وهو يرى ربيع وطنهِ ينمو بلا محار. وهذا ليس بغريب على شاعر يقف على أهبة الإستعداد دائما للملمة جراح هذا الوطن الذي له في قلب شاعرنا الكثير من المشاعر، حيث يقول في قصيدة استعداد:

(جسدي يرادف نفسي تألّما

مع وجع الناس

على هذه الأرض الفاتنة.

وأفرح حين يفرحون.)

كلماتُ النحّاس ورديةُ الجراح تولدُ في الأجفان، تمتد للذين يولدون في الشقاء، تنغرس في كلِ صدرٍ صار زَنبقة وكلِ جفنٍ صار محرقة …

هكذا هو الشاعر يمتلئُ وجدانه بما هو مقدسٌ، ليتفجرَ قلمهُ كلماتِ وجدٍ تتسامى على قدر ما يحتويه فكرُهُ وقلبُهُ في صدقٍ وإخلاصٍ للإنسان أولاً. فيكتبُ لهذا الليلِ المتلاطمِ بالدماء، يكتبُ لهذا الوطنِ الذي يمتدُ كخارطةٍ للعشقِ، فيحملُ قلمَهُ ويكتبُ القصائدَ . . . يحملُ في روحهِ بقايا التعبِ ويسافرُ في غيمةٍ قبلَ مجيءِ الدمعِ. فالدمعةُ قد رحلت بعيدا وبقي الشاعرُ يلملم أحلامَهُ المتناثرةِ قبلَ مجيء الليل. إنه رغيد النحّاس، الشاعر المبدع والإنساني من الطراز الأول، والأهم انه يمتشق قلمه على صهوة حصان الإبداع ليُسطَّر لنا كتاباتٍ خلّاقة، فالكتابةِ عند رغيد النحّاس لها طقوسٌ خاصة، كما للغة لها مكانةٌ خاصةٍ عنده، سواء جاءت هذه الكتابةُ نثراً أو شعراً، يقدمه لنا بلغةٍ شاعرةٍ وعبارةٍ أنيقة، ترسم صورةٌ أو تحملُ معنىً أو تشيرُ إلى دلالة.

فاللغةِ عند النحّاس لها قدسيةٌ خاصة   تغرف من البناء العقلاني المنطقي الموحي بأضعاف ما تشير إليه المفردات من المعاني أو من الدلالات… إذا كان بوسع هذه اللغة وهذا النوع من “العبارة” أن تكون بمثل هذا القدر من الجمال الذي يمتعنا به رغيد النحّاس في هذه المجموعة من القصائد التي جمعها في “بحروف مائلة”. إن الحياة التي يبدعها النحّاس في قصائده، ويستحضرها بوصفها تاريخا ومكونات ذاكرة تمسك بالزمن أن يغرق كله في ظلام الأزل.

“لغة” النحّاس و “عبارته” المتـرعة بالشعر والمنطق… والمفعمة بأضعاف دلالات المفردات.. جاءت لتؤكد ضرورة التمسك بكل ما هو جميل وأن إدراك الحياة هو ما ينبغي أن نتمسك به، وان لا نشارك في تفكيكها أو تهشيم بنائها المنطقي: البناء الوحيد الذي يمكن فيه للروح أن تغني وأن تنعم بالغناء.

شكرا لكم   حضورَكم ومرافقتَنا أيها السيدات والسادة هذا الحضور الذي نعلقه وسامَ شرفٍ على صدورنا وصدور كل المهتمين بالادب والثقافة … هذا الوسام الذي منحتموه هذا المساء لشاعر مبدع مثل الدكتور رغيد النحاس… جاء يزف لنا البشارة ..بأن الأدب والثقافة بخير…

أكثروا أيها الاحبة والاصدقاء من لحظات الدفء هذه …فهي التي تذيب صقيع أيامنا وما أحوجنا لها في زمن الكورونا وعصر العُهر الأدبي الأغبر.

شكرا رغيد النحّاس على وجودك في حياتنا…

وشكراً على منحي شرف المثول بين يديك للحديث عن بعض ما عندك أيها الأخ الذي لم تلده أمي.

وكل توقيع كتاب  وأنتم بخير

قبل أسبوعين من اليوم كان لنا شرف استضافة الدكتور رغيد النحّاس في برنامج “الجذور هذه المساء” في حلقة خاصة أضاءت فيه محطات إبداعية في حياة النحّاس ويسعدني أن أقدم لكم هدية الزميل ناهد أبوزيد للدكتور رغيد النحّاس في أحد محاور الحلقة:

 

ناهد أبوزيد \ لندن

 

إيقاعُ الزمن الآتي

سَجِّلْ، ولتُحفّظْ في الدفترِ

أقوالي،

وَلْتَسرِ في الناس شَهادة.

تمَهَّل… أَمعِنْ في المَحضرِ

فَسؤالي

لِمَن نَصّبتُم فيكم قادة.

**

مَن قالوا لَكُم إنَّ الحُريّةَ

فَضلٌ،

أو هيَ هِبَةٌ مجّانيّة؟

ما عرِفوا قطُّ أن الرّايةَ

بَذلٌ،

مِن عَبَق تاريخِ جُذورٍ أزليّة.

هي سِفرُ عِبادة.

**

توَهّموا أن خَفقَانَ العلمِ

إرثٌ

لريحٍ نهضَت من عدَمِ

ضلَّلوا، تاهوا، أيا ندَمي

غيثٌ

على انتهاكِ الحُرُمِ والدَّمِ

وتسترضيكُمُ كلمة “شهادة”!

**

سَجِّل، فإنّي أنا القائل:

في خفقِ راياتِ مُناضِل

أمواجُ نحيبِ أمّهاتٍ

لِأعمارٍ قَصفتها رذائل،

أكفانُ أحبَّةِ عاشِقاتٍ

في نعوشِ حُبٍّ زائل.

إنّها أثمانُ الحُريَّة

لم تَكُ يومًا مجّانيّة

يا سادة.

**

سَجِّلْ أنّي أنا الكافِر

بآلهةِ دينِكُمُ الماكر،

أنا إبنٌ، أنا الأخُ

زوْجٌ أنا، لا مُناصِر

وأنا الأبُ الشامِخُ

بعزِّ أبناءٍ أكابِر.

**

سَجِّل أنَّ إلَهيَ رَبٌّ غافر

مهما أكثرتم في الأرضِ مخاطِر

أو في البحارِ مقابر؛

أني أنا من حقولِ الأقحوان

ومن ودايا شقائق النعمان

هنا من كلّ قطرةِ دَمٍ، وِلادة

ثمنَ الكرامة

لا ندامة.

أخيرًا، دَوّنْها إفادة:

أنتم أولادُ صغائر!

وتسألُ مَن أنا؟

سَجِّل: أنا ثائر.

 

كلمة الأستاذ كنيدي إسطفان الذي أطلق الكتاب

 

 

In Italics

 

Good evening, everyone. And welcome to the launch of In italics, Bee-horoof Ma’ila, by Dr Raghid Nahhas.

I’m honoured to be here amongst you tonight to help launch the book and share some thoughts on the work. Before I do that, a little confession to make: when Raghid had first asked me to be one of tonight’s two keynote speakers, I was in two minds about it. I’m not a poet. I’m not well-versed in poetry. The art of the spare and the subtle is simply not one of my strong points. In other words, I wasn’t sure I’d be up to the task. So I expressed my concerns to Raghid. I even suggested sending him a copy of tonight’s speech in advance should he have any qualms or objections to it. But he declined the offer, deeming it unnecessary. He wanted me to speak my mind. Honesty, not praise, was what he was after. And if that doesn’t speak volumes about the man, then what does, if I may ask?

Except tonight’s speech is not about the person, but his work. Though to make such a statement it to sound paradoxical. For what is art, after all, but an expression of one’s true nature; a glimpse of a hidden self sometimes unknown to the artist himself. Until it escapes its confines like a long-withheld breath, and then seeks a physical form be it through the strike of a note, the stroke of a brush, the click of a shutter, the scratch of a pen. But I’m digressing her. So easy to lose the thread and go off at a tangent when talking about creativity, its origins, its many shapes and disguises. Better get hold of myself and return to task at hand, and that is to discuss In Italics in some depth and highlight some of the ideas and themes embedded within its pages.

As you probably know, reviewing poetry is not an easy task. Interpretation may or may not be literal, expression may or may not be linear, themes can be either straightforward or too vague and subtle they can be easily misinterpreted. Thankfully, I did not encounter any difficulties when reading In Italics. The themes are clear, the imagery relatable, the verse lyrical and fluid. It’s a rich collection of poems. An assortment which, to borrow Raghid’s own words from his leading poem, Poetry, ‘has all the colours of the spectrum, mountains and valleys, streams of wine, and a sweet body neither forbidden nor sanctioned.’

In terms of content, the book can be roughly divided into two parts. In one part, the poet takes us through a journey that spans space and time. From the ancient eucalypts of Kuringai National Park admired through the eyes of a migrant; to a town square in Lebanon ravaged by a maelstrom of contradicting histories, religions, accents and ideologies, and where the poet vents his pain and frustration at the sorry state of affairs; To Damascus, his boyhood scape and the cradle of too many precious memories, but which now regards him as a broken and estranged lover; To a troubled Gaza, where the poet lives through the pain of a mother who has recently lost two of her children to the ongoing conflict. These are contemporary issues. Different settings, different perspectives, different imagery, but always breathed into life by Raghid the humanist. But then as you read on the themes change, the poems become more personal. And like italicised text the work itself gradually tilts away from the social and the political, and leans more towards the private and the intimate—that uncharted, if not perilous territory of what’s ‘neither forbidden nor sanctioned.’

From a wife hearing her estranged husband whisper another woman’s name in his drunken sleep; to a doomed man falling for a lover who, he knows all too well, would soon consume him like a killer spider and laugh at his deluded dreams; to the fervent soul aching for a woman with a passion that’s simply beyond his control. The poet is the butterfly seeking love’s nectar, the bird soaring for a muse’s embrace, the tree reaching out for the long-awaited moon. He’s also the observer, the watcher, the figure in the shadows burning for a loved one while she stands a few steps away basking in the attention of those around her.

It’s an ardent soul, the poet’s. So passionate and demanding are his own desires he’s willing to give up on God, prophets, philosophers, humans and stars for the promise of a reunion with a lover. This is not to say that a woman is a mere vessel for love; an object of beauty to admire, lust over, chase and claim. For the poet a woman is more than that, much more. She’s the Fate Maker and the Queen of Heaven. She’s the goddess, the muse, the inspiration. She’s the Hypatia of intellect, the Fatimah of the Immaculate and the ultimate symbol of humility, purity, resilience and compassion. No need for the poet to empower her; for in humanity’s turbulent history a woman was and will always be the pacifier, the hope, the beacon, a troubled heart’s ultimate refuge.

So yes, In Italics is indeed alive with imagery and charged with passion that refuses to be quenched. My only concern—and I’m sure Raghid wouldn’t mind me saying this—is the lack of inner conflict in the work. The poet’s voice remains intense and assured throughout. There are no inner struggles to reveal, no self-doubts to share, no demons of the mind to grapple with or admit to. What was missing, I felt, was a certain level of introspection: self-analysis; an inner journey to accompany the outer one; a seismic shift of perspective whereupon the poet turns his attention inwards for a change and delves deeper into an inner being with all its complexities and complications. A flawed poet was what I was after. A man with a chink in the armour. A fellow being I could identify with and relate to at a much deeper level.

While on this subject, a memory comes to me. A couple of years ago, Raghid and myself were in his study discussing a range of literary issues, when the subject of one of my stories came up. The story itself was initially written in English. Set partly in Lebanon, it was about a kid who’d lost his cherished grandfather during the war. To cut to the chase, Raghid told me that particular afternoon that the story itself had reminded him of his own grandfather, and that he’d actually shed generous tears reading it. He then fell silent, gaze turning inwards, and was lost in thought for a lengthy moment. I waited him out, did not want to cut in. Needless to say, I could not read his thoughts at the time. But I knew for a fact that his reflections were deep; those on a puzzling world where joy was touched with sadness, passion with bitterness, fulfilment with emptiness, certainty with doubts, insecurity, fear and transience. This is the inner journey Raghid can share with us. The kind of material that would further enrich the work and make it the more poignant. To see the world for what it truly is, Yin and Yang interconnecting, black and white forever mingling into shades of grey, and then turn that into poetry.

I think this is it for me tonight. As I said before, I’m not schooled in poetry. So any thoughts I have on the collection are intuitive and by no means intellectual. But before I wrap things up, I’d like to thank Raghid for providing me with the opportunity to help launch the book tonight. To an author who’s toiled over his work for months if not years on end, a new title becomes almost as precious as a new-born child; a child you’d only entrust to those you believe in. So thank you, Raghid, for your trust. I hope I did not disappoint. While at it, I’d also like to thank him for his prolific output in the last decade or so and the accomplishments he made be it as a publisher, translator, mentor or, more recently, an author and a poet in his own right. That he’s a pioneer in the diaspora literature goes without saying. Just to mention Kalimat and the mammoth effort it must have taken him and his humble circle of advisors to keep it in publication for six years in a row is enough to prove my point. Last but not least, I’d like to thank you all for being here tonight despite Covid and its ramifications. A book is worthless without its readers. You are an author’s real treasure. Don’t you ever forget that.

Happy reading, happy night. And a safe 2022.

 

رابط مختصر –https://arabsaustralia.com/?p=21860

حفل إطلاق كتاب الدكتور رغيد النحّاس بحروف مائلة