مجلة عرب أسترالياـ تداعيات أزمة الممرات البحرية تنذر بارتفاع حاد في أسعار الوقود بأستراليا
تواجه أسعار الوقود في أستراليا مخاطر متصاعدة بالارتفاع خلال المدة القادمة، وذلك على خلفية تفاقم التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً مع تزايد التهديدات التي تواجه حركة ناقلات النفط عبر مضيق باب المندب، بالتوازي مع استمرار التعطيلات المستمرة في مضيق هرمز.
وتكتسب هذه الأزمة خطورة بالغة بالنسبة لأستراليا نتيجة اعتمادها الكبير على الواردات الخارجية لتلبية احتياجاتها، مما يجعل أسواقها المحلية رهينة لأي هزات محتملة في أسواق النفط الخام والمنتجات المكررة.
وفي السياق ذاته، حذر تقرير حديث صادر عن معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي من تنامي الضغوط التصاعدية على أسعار الوقود داخل البلاد، وسط توقعات عامة باضطراب الإمدادات وارتفاع تكلفتها التشغيلية. وتأتي هذه المخاوف على خلفية إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية، الأمر الذي ينذر بعرقلة تدفقات الشحنات النفطية وتعطيل الممرين الاستراتيجيين الأساسيين اللذين يربطان كبرى دول الخليج المنتج للنفط بأسواق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ.
مخاطر تهديد باب المندب يحتل مضيق باب المندب موقعاً محوريّاً يفصل بين القرن الأفريقي والساحل اليمني، رابطاً البحر الأحمر بخليج عدن وصولاً إلى بحر العرب والمحيط الهندي. ومع تفاقم أزمة إغلاق مضيق هرمز، اعتمدت السعودية -باعتبارها أكبر مصدر للنفط الخام عالمياً- بصورة مكثفة على طريق البحر الأحمر؛ حيث قفزت صادراتها النفطية عبر باب المندب بين أبريل/نيسان ومنتصف يوليو/تموز 2026 لتصل إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، مقارنة بأقل من مليون برميل يومياً مع مطلع العام. وفي المقابل، تراوحت شحنات المنتجات النفطية السعودية عبر الممر ذاته بين 500 و600 ألف برميل يومياً.
وعلى الصعيد المقابل، سجلت شحنات الخام والمنتجات النفطية السعودية الممرّة عبر مضيق هرمز تراجعاً ملحوظاً، منسحبةً إلى مستويات محدودة للغاية خلال أوقات الإغلاق. وللتعامل مع ذلك، عززت الرياض صادراتها عبر ميناء ينبع ومسار الناقلات المتجهة شمالاً نحو مصر عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد، الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط بطول 320 كيلومتراً وبطاقة استيعابية تصل إلى 3 ملايين برميل يومياً. غير أن القدرة الاستيعابية لقناة السويس تقف عائقاً أمام مرور ناقلات النفط العملاقة “VLCC” ذات سعة المليوني برميل، لتقتصر على ناقلات “سويزماكس” بقدرات تتراوح بين 800 ألف و1.2 مليون برميل. ومع دخول الحوثيين دائرة التصعيد المباشر بعد فترة من النأي بالنفس عن الصراع مع إيران، تتجه الأزمة الإقليمية نحو مرحلة بالغة التعقيد تتمحور حول السيطرة على خطوط إمداد الطاقة والغاز الخليجية.
انعكاسات مباشرة على أستراليا على الرغم من أن أستراليا تلبي نحو 90% من استهلاكها للوقود عبر الواردات، إلا أنها نجحت في امتصاص الصدمات السابقة نسبياً. بيد أن اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط ينذر -وفقاً لتقديرات معهد اقتصادات الطاقة- بزلزال سعري يضرب أسواق الوقود المحلية، مستهدفاً بشكل مباشر قطاعات النقل، والتعدين، والزراعة، إلى جانب المستهلك الأفراد وسائقي المركبات.
ويعزى هذا التأثير المزدوج إلى تزامن التصعيد الإيراني الأمريكي الجديد مع القرار الروسي المفاجئ بوقف تصدير الديزل في 8 يوليو/تموز 2026، إثر نجاح هجمات بالمسيرات الأوكرانية في شل البنية التحتية للطاقة في روسيا. ونتيجة لذلك، ستجد أستراليا نفسها مجبرة على دخول حلبة المنافسة الشرسة على الديزل الروسي المتاح مع مشترين تقليديين آخرين مثل الصين، والبرازيل، وتركيا، بغض النظر عن العقوبات الرسمية المفروضة على الصادرات الروسية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تلقت الإمدادات القادمة من الأميركتين -التي لعبت دوراً محورياً في كبح حدة الأزمة بين فبراير/شباط ومجونيو/حزيران 2026- تراجعاً ملحوظاً بعدما أضافت نحو 3 ملايين برميل يومياً خلال مايو/أيار وأوائل يونيو/حزيران مقارنة بمعدلات العام الماضي. وقد هبطت الصادرات المجتمعة لكل من الولايات المتحدة، والبرازيل، وغايانا، وكندا بنسبة تصل إلى 18%، متراجعة من ذروة بلغت 13.53 مليون برميل يومياً في مستهل يونيو/حزيران، إلى نطاق يتراوح بين 10.7 و11.1 مليون برميل بحلول منتصف يوليو/تموز. ومن المرجح أن يؤدي تراجع المخزونات التجارية البرية داخل الولايات المتحدة إلى دفع واشنطن للاحتفاظ بالحجم الأكبر من إنتاجها محلياً بدلاً من تصديره، طبقاً لبيانات شركة “كبلر”.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الصين كلاعب حاسم في معادلة تسعير الطاقة؛ فبينما أسهم انخفاض وارداتها النفطية سابقاً في كبح جماح ارتفاع الأسعار العالمية عبر الاعتماد على مخزوناتها الهائلة، بدأت المصافي الصينية مؤخراً بخفض معدلات التشغيل وتقليص شحنات المنتجات المكررة. وهو تطور سلبي انعكس بشكل مباشر على السوق الأسترالية التي تعتمد على بكين في توفير نحو ثلث احتياجاتها الإجمالية من وقود الطائرات.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47944



