الصحافي أحمد مطر ـ انعكاس الأزمات الإقليمية على لبنان

مجلة عرب أستراليا سيدني – انعكاس الازمات الاقليمية على لبنان

بقلم الصحافي لبناني أحمد مطر

من الواضح تماماً اعتباراً من لحظة دخول الرئيس الأمريكي الجديد إلى البيت الأبيض أنّ منطقة الشرق الأوسط ككلّ على موعد مع بداية مرحلة من التحوّلات الكبرى، حيث إن المعلومات تؤكد أنه وقبل تحديد الرئيس الأميركي جو بايدن، لكيفية تعاطي إدارته في ملف السياسة الخارجية في الأيام المقبلة، لن تكون هناك أي حلول في لبنان، نظراً لارتباطاته الوثيقة بالمحاورالإقليمية والخارجية، وكونه بحدّ ذاته ملفاً يتداخل ويتقاطع مع عناوين إقليمية، أو مع هذا المحور وذاك، إذ في السابق، كان الملف اللبناني متداخلاً مع الملف الفلسطيني، وبعدها مع الملف السوري، واليوم مع الملف الإيراني.

ولا شكّ في هذه المرحلة أن المِلفّ الأهم والأصعب والأكثر تأثيرًا على كامل منطقة الشرق الأوسط هو الملفّ الإيراني، وفي مُقابل الرغبة الإيرانيّة الشديدة بالعودة إلى تطبيق الاتفاق دون أيّ تعديلات، كونه يصبّ في مصلحتها تمامًا، تضغط إسرائيل في اتجاه أن تكون أي عودة أميركيّة غربيّة إلى الاتفاق، مرتبطة ببند إضافي يشمل الصواريخ البالستية الإيرانية، لأنّ الصواريخ التي تُطلق في اتجاه السعودية حَالِيًّا يُمكن أن توجّه إلى إسرائيل في المُستقبل.

من جهة أخرى، تريد كل من اَلسُّعُودِيَّة ودولة الإمارات أن يبقى الضغط الذي كان مُمارسًا على إيران خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، قائمًا، للحدّ من الإنفلاش السياسي والأمني الإيراني في المنطقة ككلّ، والذي بات يُهدّد جديًا أمن دول الخليج. وفي كلّ الأحوال، إنّ إدارة الرئيس الأميركي المُنتخب جو بايدن لا تريد منح إيران ورقة مجانيّة ودون أي مقابل. بالنسبة إلى لبنان، وعلي الرغم من عدم إدراجه إطلاقًا على أولويّات إدارة الرئيس الأميركي الجديد، أي لا اهتمام بوضعه الداخلي، تُوجد مُتابعة غير مُباشرة لتطوّرات الساحة اللبنانيّة، انطلاقا من تأثير الوضع في لبنان على إسرائيل، حيث يبقى كلّ من ملف ترسيم الحدود ومسألة صواريخ حزب الله، تحت المُراقبة الأميركيّة، علمًا أنّ واشنطن ماضية في دعم الجيش اللبناني حفاظًا على الاستقرار الداخلي.

إنّ محاولة تحريك الساحة اللبنانية اَلْمُثْقَلَة بالتراكمات الإقليمية من بوابة طرابلس، بمعزل عن أيّ مستجدات دولية باتّجاه الاضطراب أو التهدئة هو مضيّعة للوقت، فتشكيل حكومة في لبنان ليس شأناً لبنانياً بل أضحى جزءاً من الملف النووي ومن اتفاقات التطبيع وبنداً من مقررات قمّة العُلا ومستقبل النظام في سوريا وخارطة النفوذ الإيراني.

وعلي ضوء هذا الواقع تجاوز ملف تشكيل الحكومة الجديدة الداخل اللبناني وأصبح التحرّك إلى جانب الدور الفرنسي بعد حادث تفجير مرفأ بيروت المشؤوم، إلى الدول المؤثرة والفاعلة بالوضع الإقليمي والدولي وفي مقدمتها روسيا الاتحادية التي أبدت اهتماماً خاصاً بموضوع تشكيل الحكومة الجديدة.

في هذا الإطار كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى أن ملف تشكيل الحكومة اللبنانية كان موضع بحث ونقاش بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف الذي زار موسكو مؤخراً، على ضرورة قيام طهران بالمساعدة لتسهيل تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، بأسرع وقت ممكن لكي تتولى مهمة معالجة الأزمات التي يواجهها لبنان. ولكن ما فهمه وزير الخارجية الروسي من نظيره الإيراني، أن طهران ليست متحمسة للعب دور إيجابي لإنجاح المبادرة الفرنسية بلبنان.

يستعيد عديدون مواقف للرئيس الفرنسي، منذ إعلان مبادرته، وخلاصتها إبداء الأسف الصريح والعلني، لما أسماه فشل الزعامات السياسية من الالتزام بتعهداتهم التي قطعوها بتشكيل حكومة إنقاذ في أسرع وقت، وقد تعزز ذلك مع ما يحكى عن عزم الإدارة الأميركية الجديدة، التمايز عن فرنسا، بإحياء العلاقات المميزة مع لبنان، وقد لفت أنظار عديدين حراك السفيرة الأميركية في بيروت وقد دعت إلى إحياء وتعزيز علاقات الصداقة والتعامل بين الولايات المتحدة ولبنان، في إطار التفاهم والاحترام المتبادلين، كما ودعم تحييد لبنان عن المحاور الإقليمية وعلي وجه الخصوص المحور الإيراني وتعزيز دعم الدولة اللبنانية في بسط سلطتها الحصرية والكاملة على جميع الأراضي اللبنانية.

بالتوازي مصدر مقرب من الفرنسيين، بأن هناك تقاطعاً فرنسياً أمريكياً لإعادة إحياء المبادرة الفرنسية بشروط جديدة تفرض على القوى المتصارعة. ويؤكد المصدر أن الميدان اللبناني المتأزم قد يكون بوابة العبور الجديدة للمبادرة الفرنسية المدعومة أممياً من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والفاتيكان، في ظل تعهّد مصري بإقناع الدول العربية بدعم المبادرة الفرنسية، إذا التزمت القوى السياسية بالشروط الموضوعة حول الإصلاحات وإبعاد حزب الله عن الحكومة.

في الخُلاصة، فإن الأيام المقبلة ستكون ضبابية وصعبة، والمنطقة بشكل عام ولبنان بشكل خاص، مُقبلة على ما يُمكن وصفه بالتفاوض على صفيح ساخن وبمعنى أوضح نظراً لحجم التعقيدات، وترقّب ما سيحدّده الرئيس الأميركي حول السياسة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، ليس هناك من أي حلول سريعة تشي بتأليف الحكومة، وما لم يتمّ تحصين الساحة الداخليّة، فإنّ لبنان سيكون الحلقة الأضعف في هذا المسار وعندها سيكون من السهل أن تأتي التسويات الإقليميّة على حسابنا.

مع العلم أن هذا الترقّب قد يمتد لأسابيع وربما لأشهر، مما يحتّم تنفيذ المبادرة الفرنسية، وإلا فالأمور متّجهة إلى أزمة مفتوحة قد تكون أزمة نظام وفراغ في كل مؤسّساته الدستورية.

رابط مختصر.. https://arabsaustralia.com/?p=14066