الدكتور هيثم أبو عيد – أمّة مهزومة أم مأزومة

مجله عرب استراليا – سدني – أمّة مهزومة أم مأزومة -بقلم  الدكتور هيثم أبو عيد

هل نحن ننتمي إلى أُمَّة مهزومة أم منهزمة !
هذا السؤال يواجهنا ونجده ونسمعه في مجتمعاتنا المتعددة في بيوتنا وأزقتنا وشوارعنا وفِي أنديتنا ومقاهينا ، لا عجب ولا غرابة ونحن نرى يوميّاً إنعكاسات وتجليات هذا السؤال في واقعنا المرير في الصحف وعلى قنوات التلفزة ووسائل التواصل الإجتماعي ، عناوين ومصطلحات ومرادافات جعلت من المواطن العربي وكأنّه تنشّق كميّة مخدّر وهو على طاولة العمل الجراحي يخضع لعملية إستئصال في دماغه المشلول ، يقرأ مصطلحات وكأنّه سبق وأن تعرّفت عليها خلايا مخّه وأضحت من الجينات المتعايشة في فكره وسلوكه ، تدخل جميعها في السيكولوجية ( النفسية ) والتي لعبت الأنظمة والجيوش وحتى الشعوب في تطورها عندما غلّفت وعي العقل وأدخلته في شرنقة لا يستطيع الخروج منها نتيجة عوامل متعددة ،منها غياب الامن الاقتصادي والإجتماعي والسياسي وإرتهان الأنظمة للغرب ،والذي جعلته الشعوب فيما بعد شمّاعة تعلّق عليه المصائب والخيبات التي لحقت بالأمّة .

هزيمة أم إنهزام !

أسمح لنفسي أن أميّز بين الهزيمة والانهزام وهذا دون شك مردّه ليس فقط لغوياً مع أنّ كلاهما يحمل معنى الإنكسار ، ألا أنّ الاختلاف يكمن في حالة الوعي وفِي المعنى السياسي والاجتماعي ، فالهزيمة قد تكمن في سجال عسكري ضروس ينتهي بفوز فريق على آخر وقد تكمن الهزيمة في سباق إنتخابي ينتهي بفوز مرشّح على آخر أو بسباق رياضي وما شابه ، ولكن الانهزام أو الانهزامية تكمن في العقل وتسيطر عليه لتصبح جزءاً من خلاياه وتفكيره وإدراكه ، حيث تعيش في فكره الاتكالي وضعفه الغير مرئي وبالتالي تتحوّل المجتمعات الى بؤر من العجز والفشل بسبب هذا النمط السلوكي يرافقه شعور بالإحباط والدونية والنقص والسلبية في التعاطي مع الأحداث التي تواجهها الأمّة .

الأنظمة وأجهزتها سبب الإنهزامية في المجتمع

إنّ تكرار الهزائم وتوليد حالات الضعف والإنكسار لدى الأمّة مع توالي الخيبات في الأنظمة السياسية المتعددة طوّر الحالة الانهزامية في العقل العربي مع أنّه ليس كذلك وهو الذي اعتاد على الانتقام والأخذ بالثأر ، فما الذي حصل !
الشيء الأكيد الملاحظ هو نشوء الانكسار النفسي بعد أن تعمّق الانكسار الذاتي وقد ظهر جليّا هذا الشعور أمام سقوط المبادىء والشعارات فوجد المواطن العربي نفسه أمام هوّة عميقة بين ما يحصل وبين الشعارات التي كانت متبناة على مدى عقود ، أدّى الى إنكسار ذاته وبالتالي نفسه ، وهذا بدا جليّاً في دول أوروبا الشرقية أو دول الاتحاد السوفياتي سابقاّ وروسيا نفسها ، أو كما حصل في أميركا مؤخرا حيث سقط شعار الحرّية وبانت منظومة النهب على حقيقتها ، أمّا الديموقراطية فقد تبيّن أنها ورقة لمّاعة كتلك التي نغلّف بها قطع الحلوى .
وهنا أُورد ما كتبه إبن خلدون عن الهزيمة النفسية التي هي بمفهومها إنهزام : ” إنّ النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وإنقادت إليه ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب من ملبسه ومركبه بل وفِي سائر أحواله ” .
وبالتالي فإنّ هذه الأنظمة التي إرتكزت على التبعية والإنقياد للغرب وبالتالي عدم إيجاد منظومة أمنية وإجتماعية وإقتصادية وسياسية مستقلّة خاصة بالأمّة أدّت الى هذه الإنهزامية البغيضة .

التضليل الإعلامي والأخلاقي

إنّ اللعب على الألفاظ والمصطلحات وتبديل وتحوير المعاني التي دأب عليها النظام العربي الرسمي ساهم في نشأة السلوك الانهزامي لدى المجتمع العربي والإسلامي ، إنّ تحويل هزيمة مفجعة وكارثية كهزيمة الخامس من حزيران عام ١٩٦٧ الى نكسة لهي مصيبة المصائب في عملية كي الوعي العربي وتحنيطه ، كيف إستطاع النظام الرسمي إقناع الشعوب أنّه وخلال ساعات يتم تدمير سلاح الجيوش المصرية والسورية والأردنية ويقوم الصهاينة بإجتياح سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزّة بأن ما حصل هو إنتكاسة وليس هزيمة !
ثم لماذا من المفترض أنّ يقرّر زعيم وقائد أن يتخلّى عن مهامه في قياده شعبه نحو النصر والانتقام من أعداء أمته ويلتحق بصفوف الجماهير !
لماذا يجب على مسؤول سياسي في مهامه أن يبكي وهو يرى العدو يدمّر أرضه ويقتل شعبه وكيف استطاع أن يقنع جمهوره أن تلك الدموع هي التي حمت وانتصرت على العدو ، بينما يذكر التاريخ أنّ لندن في الحرب العالمية سوّيت بالأرض وعاش سكانها في محطات المترو ، بينما كان قائدها يهدّد القوات الغازية ويعدهم بالهزيمة وبأنه سيقاتلهم في السهول والجبال .
إنّه التضليل الإعلامي الذي يروّج للعقل الإنهزامي ممّا أوقع المواطن في إنكسار نفسي مريع .

النص الديني وإخباره حول هذا الموضوع

تطالعنا آيات عديدة حول هذا الموضوع في القرآن الكريم ، حيث نجد أنّ الله عزّ وجل أخبرنا عن العقل والفكر الإنهزامي عبر العصور ، وهي مشكلة عانى منها الأنبياء والرسل ، يبقى الامر في سياقه التعريفي وإقتباس العبر لكي لا يُقال بأنني أروّج للإتكال على الله عز وجل فقط دون الأخذ بأسباب القوّة وإلاّ قد نتحوّل الى إنهزاميين .
ففي سورة البقرة الآية – 249 يذكر الله عز وجّل الانهزاميين من قوم طالوت ” قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ” . هل نستطيع أن نقاوم الصهاينة الذين يحتلون أراضينا ! أليس نفس الفكر الذي يحمله الكثير من شعوب هذه الأمّة ! أو ليس هذا الكائن يملك تفوقاّ عسكرياً ومخابرتياً ! هل تستطيع العين أن تقاوم المخرز ! أو ليس هذا ما روّجت له الماكينات الإعلامية على مدى عقود !
النفسية الانهزامية الخائفة والغير موقنة بالنصر والتأييد جعل من قوم موسى يقولون له عندما إصطدموا بالبحر وخلفهم فرعون وجنوده ” فلمّا تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنَّا لمُدركون ” الشعراء – 61
كم هناك بيننا من أمثال جدِّ بن قيس المنافق بعهد رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه والذي نزلت به الآية الكريمة ” ومنهم من يقول إئذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا ” التوبة – 49
تبقى العزيمة والصبر والأخذ بأسباب النصر والقوّة هو العلاج الناجع للفكر الإنهزامي والرجعية التي تعاني منها أمّتنا ، الضعف والوهن والإستكانة كما ذكرها القرآن الكريم تلك عوامل تؤدي الى إنهزام العقل وبالتالي الهزيمة في الميادين ، يقول عزّ من قائل في كتابه العزيز : وكأيّن من نبي قاتل معه ربيّون كثيرٌ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما أستكانوا والله يحّب الصابرين “.

نعيش إنهزامية في نفوسنا

لتصحيح الخلل في مجتمعاتنا ونفوسنا علينا التخلّي عن حالة الانهزام في نفسنا وذاتنا وأخلاقنا وأنّ حرّية وإنتصار الشعوب تكمن في إرادتها وتصميمها على المواجهة وعدم الإستكانة ولو كانت الأثمان باهظة فهي تبقى أقل كلفة من أثمان العبودية والإستسلام .

 

مساحة إعلانية مدفوعة

 [email protected] لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني