مهرجان لافت للجوز في نيحا الشوفية.. ما سر هذه الجوهرة الخضراء؟
بقلم الإعلامي الدكتور عبد الله ذبيان

فلنيمم دوماً شطر الأصالة والتشبث بالأرض، ورفد أهلها الطيبين بالحياة الكريمة العزيزة، كلٌّ من موقعه، هذا ديدن المهندس غسان فرحات رئيس بلدية نيحا الشوف، الذي شكّل على مدى مسيرته أنموذجاً يحتذى به في عالم رجال الأعمال والجهد البلدي والانمائي الناجع برؤية ديناميكية سديدة.
لا تسلوا عن تعاضد أهالي هذه البلدة الجميلة، والتي منحت لبنان خيرة الرجالات على كافة المستويات، فرفعوا اسمها في شتى المجالات، واللافت أيضاً محبة الناس لـ “الريّس” الذي يعمل انطلاقاً من حرصٍ تليد تشرّبه من عائلته لخدمة نيحا ورفعتها.
أعلم أن غسان فرحات لا يحبّذ الكلام عن أعماله وانجازاته وتفانيه في سبيل الناس والمصلحة العامة ، لكني أنقل بصدق وشفافية، وكصحافي متابع عن كثب، المشهد الجليّ في بلدة تُعانق الجبال وترفُل بالرجال.
صورة مصغّرة عن لبنان المتنوّع
وعلى ارتفاع يناهز الـ 1100 متر عن سطح البحر، وحيث تلتقي جغرافية الشوف بالبقاع والجنوب، تجسّد نيحا بمساحات مشاعاتها الواسعة وسكانها الذين يتجاوزون الـ 5000 آلاف نسمة، صورة مصغّرة عن لبنان بتنوعه وطبيعته. في الشوف الأعلى، حيث تتعانق السماء مع صخور الجبل العتيق، تشرق نيحا كأيقونة لبنانية جبلية شوفية عصية على اختزالها في مفردة واحدة.
بين مقام النبي أيوب وسكينة الكنائس
ليست هي “الجوز” الشاهق المنسكب على جنبات التاريخ فحسب، بل هي كتاب مفتوح على الإيمان الشامخ والتقوى العميقة؛ تتجاور فيها الطمأنينة بين مقام النبي أيوب (عليه السلام)، وخشوع الخلوات، وسكينة الكنائس الضاربة في عمق الجذور، لتجسد أبهى صور العيش الواحد والنقاء الروحي.
هنا في نيحا، يتنفّس الحجر تاريخاً والتراب آثاراً.. تتكلم شواهدها عن أسرار الحقبات الغابرة، وتستحضر قلعة تيرون (شقيف تيرون) المعلّقة بين الغمام، شاهدةً على البطولة والصمود بوجه الغزاة عبر العصور.
ولأنها نبعٌ للأصالة، أهدت نيحا للشرق صوتاً ينبض بوجدان الوطن والتراب، فأنجبت عملاق الغناء العربي وديع الصافي، ليكون صوته قلعة ثانية تُعرّف العالم بجبال لبنان ومواويله. وهي ذاتها نيحا التي يتدفق في أزقتها الشدو والأدب، وينسج شعراؤها قصائد الزجل والوفاء للأرض والكرامة. وإذا كان اسمها في السريانية يعني “المكان الهادئ”، فقد اختارت البلدة أن تكسر هذا الصمت لمدّة 5 ساعات متواصلة.
“مهرجان الجوز الأول” تضافر جهود في فترة قياسية
امتلأت الساحات بالزوار وأهالي البلدة والجوار ووفود من بيروت والمناطق، لتتحول نيحا إلى مساحة تنبض بالموسيقى، والزجل، والمنتجات البلدية، معلنةً عن وجه لبنان الذي نتمناه: لبنان اللقاء والتراث والحياة.
رعاية رسمية وحضور نخبوي في ساحات نيحا
لم يكن المهرجان مجرد حدث عابر، بل احتفالية وطنية جامعت شملت كافة الأطياف. تميزت الاحتفالية برعاية وحضور وزير الزراعة الديناميكي الدكتور نزار هاني، الذي لم يكتفِ بالمشاركة الرسمية بل شارك الضيوف والحضور بفرط حبات الجوز الأخضر بيديه، مؤكداً دعم الوزارة الدائم للمزارع اللبناني ولصمود الأرض.
وأشار هاني إلى أن “الجوز يُعدّ من المحاصيل المهمة والواعدة للقرى الجبلية، ولا سيما في منطقة الشوف التي تتمتع بظروف طبيعية ومناخية ملائمة لتطوير هذه الزراعة”، موضحًا أن “إنتاج لبنان من الجوز يُقدّر بنحو 3 آلاف طن سنويًا، وهي كمية لا تزال غير كافية لتلبية حاجة السوق المحلية”.
وتوقف هاني عند حجم استيراد الجوز، فقال: “في عام 2025، استورد لبنان 3,214 طنًا من الجوز بقشره، بقيمة بلغت 8 ملايين و744 ألف دولار، إضافة إلى 1,623 طنًا من الجوز المقشّر، بقيمة 7 ملايين و597 ألف دولار. وبذلك، تجاوزت القيمة الإجمالية لهذه الواردات 16 مليونًا و341 ألف دولار”.
فرحات: لتثبيت أبناء الريف في أرضهم وقراهم
خلف هذا النجاح الباهر، كانت تقف رؤية ثاقبة وتنظيم محكم من المجلس البلدي في نيحا برئاسة المهندس المتوقد نشاطاً وحمية، والذي أثبت من جديد أنه رافد أساسي لكل عمل يخدم المصلحة العامة، والداعم الأول لكل مبادرة ترفع اسم نيحا عالياً وتمد يد العون لأبنائها.
وبفضل هذه الجهود، تحوّل المهرجان إلى لوحة تنموية وتراثية متكاملة.
وكان رئيس بلدية نيحا غسان فرحات ثمّن في كلمته الدور الذي تؤديه وزارة الزراعة في مساندة المزارعين ومواكبة القطاعات الإنتاجية. وشدّد على أهمية تعزيز التعاون والتكامل بين الوزارة والبلديات لإطلاق مبادرات تنموية تدعم الاقتصاد المحلي، وتوفّر فرص العمل، وتثبّت أبناء الريف في أرضهم وقراهم.
منافسة النكهة الأصيلة وتوقيع كبار الطهاة
في ميدان المطبخ التراثي، خطفت سيدات نيحا والقرى المجاورة الأنظار في مسابقة “أطيب قرص كبة بالجوز”. وتولى التحكيم الشيف المحبوب أنطوان الحاج بابتسامته المعهودة إلى جانب الشيف جومانة عضيمي، لتتحول المسابقة إلى احتفاء حي بالموروث الغذائي اللبناني ودور المرأة المحوري في نقل أسرار الطهي القروي بين الأجيال.
نغم الجبل وشعره… من الشوف إلى بعلبك
لم تخلُ الأمسية من السحر الفني، إذ أحيا الحفل الفنان جورج الصافي، ابن نيحا ونجل العملاق الراحل وديع الصافي، معيداً بصوته الشجي أصالة الزمن الجميل، بمشاركة الفنان شادي ذبيان والمايسترو عبد الله عرنوس.
كما أضفى الشاعران سالم غانم وإيليا أبو مرهج وسائد إسماعيل نكهة زجلية خاصة، واكتملت اللوحة بعروض فرقة “هياكل بعلبك التراثية” على ألحان الربابة، لتمتزج بعلبك بالشوف في حلقة حب واحدة.
-كرم الجبل وسلال الخير: اختُتم المهرجان بمعرض للمنتجات البلدية وضيافة قروية دافئة شملت تقديم المغلي والقمح المسلوق المدعومين بالجوز، إلى جانب توزيع سلال الجوز الأخضر الطازج على الضيوف كعربون محبة وتقدير، متوجة يوماً شوفياً بامتياز أثبت أن نيحا ستظل دائماً واحة للتلاقي والأصالة.
ماذا نعرف عن فوائد “الجوهرة الخضراء”؟
في مواسم الطلع الأولى، حين ترتدي جبالنا حلّتها الخضراء، يطلّ الجوز الأخضر (الغَضّ) كجوهرة نديّة تُخبّئ في أحشائها إكسير الصحة والعافية. ليس مجرد ثمرة تُقطف من أغصان شجر شاهق، بل هو حكاية شفاء تُروى عبر الفصول، وتزخر بمنافع صحية لا تحصى:
-درع متين للقلب والشرايين: يختزن الجوز الأخضر نسباً عالية من حمض “الأوميغا 3” والدهون غير المشبعة، مما يسهم في خفض مستويات الكوليسترول الضار، وتنشيط الدورة الدموية، وحماية القلب من أزمات الزمان.
-ترياق للجهاز الهضمي: بفضل أليافه الطبيعية اللطيفة ومكوناته الغَضّة، يعمل على تنظيم حركة الأمعاء، وتسهيل عملية الهضم، وتطهير القناة الهضمية من السموم والأخلاط.
-حارس للمناعة ومقاوم للأكسدة: يكتنز كميات وفيرة من الفيتامينات (خصوصاً فيتامين C وE) والمركبات الفينولية التي تحارب الشاردات حرة النوى، فيغدو السد المنيع أمام الشيخوخة المبكرة …
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=48632











