spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 48

آخر المقالات

أ.د.عماد شبلاق ـ يوميات “سنترلنكاوي” في سدني! 

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية الأمريكية...

أ. د. عماد شبلاق ـ الهندسة الحياتية ومعادلة اللاتوازن الحتمية للقضاء على حياتك!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية...

روني عبد النور ـ توائمنا الرقميّة تهبّ لنجدتنا صحّياً

مجلة عرب أستراليا "الضغوط على موارد الصحة تتزايد عالمياً... الإنسان...

د. زياد علوش ـ”سيغموند فرود” أمريكا دولة همجية

مجلة عرب أستراليا- د. زياد علوش يقول مؤسس التحليل النفسي...

الدكتور رغيد النحّاس -صداقة “عَ الريحة”

مجلة عرب أستراليا سدني

صداقة “عَ الريحة”-بقلم الدكتور رغيد النحّاس

أثناء مسيرتي الصباحيّة اليوميّة، أمضي ساعة على الأقلّ متنقلًا في أرجاء ضاحيتنا المليئة بالأشجار والحدائق والهضاب. أحاول ما أمكن أن أنوّع في الطرق التي أسلكها فأحاول التعرّف أكثر على أنماط مختلفة من البناء وتنسيق الحدائق.

أصادف بعض من يقوم بما أقوم به من رياضة مفيدة منعشة، وفيهم نساء ورجال من مختلف الأعمار، من الشباب إلى العجائز. هذه تهرول مسرعة بثياب صيفيّة، والحرارة لا تتجاوز تسع درجات مئويّة، وذاك بالكاد يستطيع السير، بثياب تظنّه من سكان الإسكيمو. هذه تنزّه معها كلبها، وذاك يجرّ أربعة كلاب (عفوًا تجرّه أربعة كلاب).

وحين يصادف أن أتأخّر في الصباح، أراقب كيف يبدأ طلاب المدارس الخروج من المنازل بهندامهم الأنيق، ويسيرون باتجاه المدارس المتوفّرة في الضاحيّة، ومنها ما هو على شهرة عالية. ينفتح بين الحين والآخر باب مرأب في بيت فتخرج منه سيارة من ينطلق إلى عمله، أو من يحتاج إيصال أطفاله إلى المدرسة.

أما اليوم، السبت، فلا مدارس ولا حركة غير عاديّة. تأخّرتُ هذا الصباح. تناولتُ قهوتي، ثم إفطاري الذي هو فقط بيضة نصف مسلوقة (عادة أتناوله بعد المسير). ولمّا كان البرد شديدًا، قرّرت أن أنهي مراجعةً بدأتها الليلة الماضية قبل أن أبدأ المسير.

انطلقتُ في التاسعة صباحًا، وكالعادة أضع السمّاعتين في الأذنين، وأدير جهازي المحمول لأستمع إلى برامج هيئة الإذاعة الأستراليّة، وبالتحديد “راديو ناشونال” الذي يشار إليه بـ”RN”. وسبق لحفيدتي أن عبّرت عن بهجتها بأن اسم الإذاعة، التي أتابع، واسمي يُختصران بالأحرف الأولى على الشاكلة عينها: “RN”. وأنا مبتهج أيضًا لأنّ كلّ برامج هذه المحطّة مفيدة وممتعة على مدار اليوم.

ومن الأساليب الأخرى التي أتّبعها لإطالة مسيري، دون أن أحسّ بالوقت (ودون أن أخسره)، هو أن أقوم بما لديّ من مخابرات هاتفيّة، خصوصًا مع أحبّة في أماكن بعيدة، فتطول المخابرة الواحدة أكثر من اربعين دقيقة أحيانًا.

اليوم، وبعد حوالي نصف ساعة سير، دخلت في حارة لا أرتادها عادة. وهي، مثل حارة سكننا، من حارات “الطريق المسدود”. أتعمّد أحيانًا استعمال هذه الحارات لزيادة المسافة التي أقطعها، دون أن أبتعد كثيرًا عن المنطقة. أضف إلى ذلك الجمال الخاصّ، والسكينة التي تتمتّع بها هذه الحارات.

تفاجأت أنّ نهايتها تنفتح على حارة أخرى متعامدة معها بحيث لا تظهر لك مباشرة. دخلت فيها وفجأة انجذبت بعيدًا عن الجمال الذي حولي، وعن البرنامج الذي كنت أصغي إليه، حين تناهت إلى أنفي رائحة أرجعتني إلى السبعينيّات من القرن الماضي حين كنت أرتاد مع صديقة أرمنيّة، كانت من أهمّ صديقات حياتي، فرنًا قريبًا من الجامعة الأميركيّة في بيروت التي كنّا ندرس فيها، لنشتري إفطارنا من المناقيش بالصعتر. المناقيش، لا زالت إلى اليوم، بالنسبة لي من ألذّ الوجبات، والوجبة الوحيدة التي لا أتناول معها أيّ شيء آخر غير كأس الشاي. المناقيش تتوفّر في أماكن كثيرة في سيدني، لكنّ الجيّد قليل. أمّا في لبنان، فكان الجيّد كثير في وقتها، لكنّ أجود ما تذوّقت كان في النبطيّة في الجنوب، وأجود الأجود كان في ذلك الفرن الصغير جانب الجامعة.

كنت متأكّدًا أنّها مناقيش بالصعتر، وكانت الرائحة تختلف عن كلّ ما شممته من روائح المناقيش هنا في سيدني. كانت تمامًا مثل رائحة مناقيش ذكرياتي. أردت التأكّد من المذاق، وقرّرت القيام بخطوة ما سبق أن أقدمت عليها في حياتي.

تتبعت الأثر وطرقت الباب. حين انفتح الباب، غمرتني الرائحة الشهيّة لتؤكّد لي أن هذا هو المصدر، لكنّ صاعقة أخرى أخذتني وأنا أنظر إلى سيّدة، ربّما في الخمسينيّات من عمرها، على قدر باهظ من الجمال. كلّا، لا تشبه صديقتي الأرمنيّة. لسنا هنا بصدد المعجزات!

“عذرًا سيّدتي على قلّة ذوقي، والطرق على بابك دون سابق معرفة، لكنّ جذبتني رائحة الطعام، وعندي سؤال حين أطرحه ربّما تتفهّمين سبب غلاظتي الصباحيّة هذه.”

ابتسمَتْ بأناقة شديدة، وقالت بالعربيّة بلهجة لبنانية: “أكيد إنتا لبنيني وبتحبّ المنائيش بالزعتر.”

ابتسمتُ لها، وربّما كانت في عيني دمعة رقيقة جدًّا. لم أنبس بحرف.

“هل أنت من سكان ضاحيتنا؟”

“نعم. أسكن في الحارة الفلانيّة، واسمي كذا …”

ثم عادت تتحدّث بالعربيّة: “أوه! حارتك حلوه، وسمعاني باسمك، بس أنا ما عندي خِلطة مع الجالية. اسمي كذا. تفضَّل فطار معي. افتكرتك بنتي غيّرت فكرها وإجِت.”

“ولكن … لا أريد إزعاجك.”

“تفضّل، ولح إحكيلك حكاية مناقيش اليوم.”

“شكرًا، وأنا بحكيلك حكايتي مع المناقيش.”

على طاولة المطبخ رأيت عددًا لا بأس به من المناقيش الجاهزة وغيرها الجاهز للطهي، رغم أنّ السيّدة كانت لوحدها في البيت. ظننت لأوّل وهلة أنّ سكّان البيت في مسيرة صباحيّة مثلي، وسيعودون لتناول الإفطار. لكن علمت فيما بعد أنّها أعدّت كلّ شيء من أجل ابنتها وأحفادها، وقبل أن أطرق بابها جاءها اعتذارهم عن الحضور بسبب ارتفاع درجة حرارة أحد الأحفاد.

توفّى زوجها منذ عامين، ولا زالت تعمل ثلاثة أيّام في الأسبوع. اتفقنا على أن نلتقي في بعض المسيرات اليوميّة، خصوصًا أنّها قالت إنّها بحاجة لمن يشجّعها. طبعًا أنا متقاعد، وليس لدي مشكلة في تعديل أوقاتي لتتلاءم معها.

رفَضَتْ أن أتناول ممّا هو جاهز، وخَبَزَتْ منقوشتين، وحضّرتُ الشاي بنفسي، وجلسنا نتناول الإفطار (الغداء بالنسبة لي). استغربت كثيرًا كيف أنّ مذاق المناقيش لديها يضاهي ذلك الذي عهدته في الفرن جانب الجامعة. بعبارة أخرى لم تخنّي الرائحة التي كانت متميّزة. وشرحت لها قصّتي مع المناقيش فعبّرتْ عن سرورها أنّ عاشقًا للمناقيش وجد الآن في مناقيشها ضالّته. طبعًا خبزت لي مزيدًا من المناقيش والفرح يغمرها.

شرحت لي بحماس من أين تحصل على الصعتر، وتحضّره بمزجه مع ما يلزم من عناصر. شكرتها، وقلت لها إنّه سيكون أسهل عليّ بكثير أن آتي لتناول المناقيش معها عوضًا عن أبذل كلّ ذلك الجهد.

ضحكنا معًا، وكلّ منّا قد كسب صداقة جديدة.

رابط النشر –https://arabsaustralia.com/?p=29743

ذات صلة

spot_img