spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 48

آخر المقالات

د. علي الموسوي ـ العيد الوطنيّ لمملكة النرويج جينات المواطنّة في بلاد الفايكنگ

مجلة عرب أستراليا- بقلم د. علي موسى الموسوي تتمدد بغنجٍ...

د. زياد علوش ـ”سيغموند فرود” أمريكا دولة همجية

مجلة عرب أستراليا- د. زياد علوش يقول مؤسس التحليل النفسي...

الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية

مجلة عرب أستراليا الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية لثاني...

الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية لثاني مرة على التوالي

الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية لثاني مرة على...

هاني الترك OAM – صورة فلسطينية تفوز بالجائزة العالمية

مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتب هاني الترك OAM شهد العالم...

الدكتور رغيد النحّاس-حِوَارٌ عَربستَانيّ

مجلة عرب أستراليا سيدني

حِوَارٌ عَربستَانيّ

بقلم الدكتور رغيد النحّاس

أنظر أحيانًا في أرشيفي متوقّعًا أن تكون بعض المواضيع التي تطرّقت إليها قد أصبحت تاريخًا أكل الدهر عليه وشرب، لا تصلح لاعتمادها مجدّدًا. ولكن، كلّما بحثت في قديم ما كتبت كلّما ذهلت لدوام بعض المشكلات التي تطرّقت إليها. النصّ التالي، الذي كتبته عام 1995، واحد منها. سبق نشره في الصحف الأستراليّة العربيّة، وفي كتابي “طلّ وشرر” عام 2013.

حِوَارٌ عَربستَانيّ

كلاهما من عربستان. الأوّل من غربستان والثاني من شرقستان. لغة واحدة يتكلّمان، وإلى أستراليا مهاجران.

الأوّل: هل قرأت قصيدتي الجديدة؟

الثاني: قصيدة؟ لم أكن أعلم أنّك تكتب القصائد.

الأوّل: طبعًا، طبعًا، فأنا كما تعلم نشاطاتي عديدة، وعلاقاتي كثيرة، وأتعاطى العلوم والآداب والسياسة والتجارة.

الثاني: ما شاء الله، ما شاء الله. كلّا، لم أقرأ قصيدتك الجديدة.

الأوّل: هل لك أنْ تقرأها وتعطيني رأيك فيها؟

الثاني: ولكنّي لست مختصًا في النقد الأدبي.

الأوّل: أنت أستاذ في الأدب، وأعلم أنك ذوّاقة شعر.

الثاني: ولكنّ التذوّق مسألة شخصيّة ونسبيّة.

الأوّل: خلّصنا يا أخي، إقرأ القصيدة وأعطنا رأيك فيها.

(يقرأ الثاني القصيدة عدّة مرات.)

الأوّل: شو؟ شي تمام، أليس كذلك؟

الثاني: هل تريد رأيي أم رأيك؟

الأوّل: طبعًا رأيك، ولكن بربّك قل لي، أليست قمّة في الإبداع؟

الثاني: لن يفيد رأيي شيئًا طالما أنّك أحكمت رأيك مسبقًا، وقرّرت أنّ القصيدة قمّة في الإبداع.

الأوّل: يا أخي، رأيان أفضل من رأي واحد.

الثاني: تعني أنّك فعلًا تريد رأيي الموضوعيّ في هذا الذي كتبت؟

الأوّل: طبعًا، طبعًا، وإلاّ لماذا أسألك الرأي؟

الثاني: بصراحة يا أخي إنّ ما كتبته ليس بشعر، ولا يمّت إلى اللغة العربستانيّة بصلة.

الأوّل: ماذا؟ بعد كلّ هذا الجهد؟ ألا تدري مع من تتكلم؟ ألا تعلم أنّني مذيع في الإذاعة العربستانيّة، ومدرّس للغة العربستانيّة؟

الثاني: ومع ذلك يا صديقي، النصّ الذي أمامي يفتقد إلى أبسط أصول اللغة، وما هو بشعر ولا نثر. الأغلاط الإملائيّة والنحويّة تغطي معظمه.

الأوّل: لا. لا. يا أستاذ هيك “تخّنتها”! كنت أتوقّع منك تأييد جهدي الكبير، وتعبي في سبيل أبناء جاليتي وتراثي.

الثاني: يا أخي، الجهد ليس له بالضرورة علاقة مباشرة مع النتيجة النهائيّة، وإنْ كان أصلًا ضرورة لكلّ عمل. سألتني رأيي في القصيدة فأعطيتك رأيي، ويمكنني أنْ أبيّن لك أغلاطك النحويّة والإملائيّة. أمّا الأغلاط الأدبيّة فلا وجود لها، والسبب هو أنّ الغلط يحدث عند المحاولة. الذي أراه أمامي لا يحوي أيّ محاولة أدبيّة، وإنّما هو صفّ كلام لا يرقى إلى مستوى الإنشاء الابتدائيّ.

الأوّل: ما هذا الكلام يا أستاذ؟ أنا الذي أدرّس الإنشاء للطلاب.

الثاني: وهل لديك المؤهّلات اللازمة لذلك؟

الأوّل: ماذا؟ أتطعن بإمكانيّاتي وأنا معروف بين أبناء الجالية ويشار إليّ بالبَنان؟

الثاني: أبناء الجالية هنا بحاجة لكلّ مساعدة جيّدة في سبيل فهم تراثهم ولغتهم، ولكنْ لا بدّ من الاعتماد على أسس صحيحة في هذه العمليّة، وليس اعتماد النخوة والاندفاع الأعمى بما ليس من مؤهّلاتنا. والمشكلة أكبر في حالتك لأنك تقول إنّه يشار إليك بالبَنان، وهذا يعني أنّ الناس ستصدّق ما تقول وتتبع أسلوبك. وخطورة الأمر أنّك مذيع في الإذاعة، أي أنّ أسلوبك يصل إلى عدد كبير من المواطنين الذين سيكتسبون طريقتك المغلوطة في لفظ وتحريك الكلمات.

الأوّل: هل تشك بمقدرتي الإذاعيّة أيضًا؟

الثاني: أنا لم أرد هذا الحديث كله، ولكنّك جررتني إليه. بما أنّني أتحدث، فلا بدّ أنْ أقول ما أعتقد أنّه الصواب. وبصراحة يا أخي، حين أستمع إليك عبر الإذاعة تغلط كلّ ثاني كلمة تلفظها، أتمنى لو أنّك لم تكن هناك، أو على الأقل أنْ تتكلم العامّيّة وتترك الفصحى لأهلها.

الأوّل: لم أكن أعلم أنّك تتجنّى عليّ على هذا المنوال. أليس لديك أقل قدر من الدبلوماسيّة؟ أليس لديك ذرّة احترام لأبناء وطنك؟ ألا تخاف على تراثنا العظيم؟

الثاني: أعتقد أنّ هذا الحديث لن يجدي نفعًا، لأنّك كنت ترغب أنْ تسمع مني رأيًا إيجابيًّا، وليس رأيًا موضوعيًّا. لذلك أرجو أنْ لا تسألني عن رأيي مرّة أخرى إذا كان هدفك استدراج دعم الآخرين لآرائك بغضّ النظر عن قيمتها.

الأوّل: طبعًا تريد الآن الانسحاب من هذا الحوار. سأبلغ كلّ زملائي في الإذاعة والجرائد والمجلات والمنظّمات عن تهجّمك هذا، وسأعمل جهدي أنْ لا يقوم أحد بدعوتك لأيّ مقابلة أو احتفال.

الثاني: أتمنّى أنْ تنقل لزملائك ما حدث بنزاهة. وأطمئنك أنّني حاليًّا معزول عن معظم النشاطات العربستانيّة لأسباب شبيهة بأسباب خلافنا الحاضر حول قصيدتك. نحن، أقصد العربستانيّين، متعوّدون على الموافقة على كلّ شيء. الأولاد لا بدّ أنْ يوافقوا على كلام أهلهم، والمحكومون على الحكّام، والأصدقاء على الأصدقاء، وحسب تطوّر الأحداث الحاليّة، حتّى على الأعداء. وهذا ما تسميه أنت الدبلوماسيّة، أي “الضحك على اللحى”، ويسمّونه أحيانًا الطاعة، وأحيانًا الاحترام. وكلّها مزايا اجتماعيّة تتحلّى بها شعوب عربستان حتّى الثمالة، أو في الواقع حتّى العمالة والعبوديّة. نحن لم نتعود أبدًا أنْ نكون أصحاب قرار، والسبب ليس الأعداء، بل أقرب المقرّبين. لا أحد يقبل النقد البنّاء.

الأوّل: لقد شبعنا من هذه الفلسفة المستوردة من الغرب. وكان حريًّا بك أنْ تتحلّى بأخلاقنا وتراثنا العريق، فالاحترام أهمّ مزايانا.

الثاني: نعم، الاحترام القائم على النزاهة والعلم، وعلى المعاملة بالمثل، وليس الاحترام القائم على الطاعة العمياء والدجل والنفاق.

الأوّل: ألم أقل لك إنّك صاحب دماغ مستورد من الغرب؟

الثاني: إذا كان الأمر كذلك، لماذا تركت أنت عربستان وحضرت إلى أستراليا أحد معاقل الغرب، وإحدى الدول السائرة في ركاب الأميركان وسياساتهم؟

الأوّل: يالك من ظالم. الآن تريد الدخول إلى أعماق مشاكلي الخاصّة. وعلى كلّ حال، كلّ واحد منّا حضر إلى هذه البلاد بسبب. ولا تنس أنّ حالة الحرب في بلادنا، والأوضاع الاقتصاديّة شكلت ضغطًا كبيرًا علينا.

الثاني: فعلًا. ولكنّك حين بحثت في أرجاء المعمورة، لم تجد مفرجًا عن كربتك إلاّ في أحد معاقل الغرب. هنا تستطيع فعل وكلام ما لا تستطيعه في تلك البلاد التي تتغنّى بتراثها.

الأوّل: يا أخي…

الثاني: يا أخي عن إذنك، أنا لا أفهم في الشعر.

سيدني، 1995

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=29738

ذات صلة

spot_img