الدكتور رغيد النحّاس-تعاطف

مجلة عرب أستراليا سدني -تعاطف

بقلم الدكتور – رغيد النحّاس

الخميس: اليوم الذي نقوم فيه برعاية حفيدتنا وحفيدنا، بينما يواصل والديهما العمل من المنزل بسبب تداعيات الوباء “الكوفيديّ” الذي يجتاح سيدني.

عادة كنت أحضر مع زوجتي لتقديم الرعاية، لكنّني الآن أقوم بذلك وحدي لأنّ القوانين تشدّدت، ويجب أن لا يقوم أكثر من شخص واحد بالزيارة. وبما أنّني أنجزت الجرعتين المطلوبتين من اللقاح، بينما زوجتي لا زالت تنتظر الجرعة الثانية، رأينا أنّ المهمة تقع على عاتقي.

أصِلُ في الساعة العاشرة صباحًا، وأبدأ مباشرة في الإشراف على برنامج تدريس ياسمين، ذات السنوات السبع، من البيت. تقوم بمشاهدة بعض التسجيلات التعليميّة، وتحلّ المسائل، وتجيب عن الأسئلة … كلّ ذلك وفق لائحة منظّمة ترسلها المدرسة من طريق البريد الإلكترونيّ. اللائحة تشرح الخطوات التي يجب أن يتبعها التلميذ، وتحدّد أوقات الراحة كما لو كان الأمر في المدرسة. والطريف أنّه حالما وصلنا إلى وقت الراحة أوّل مرّة كنت فيها مع ياسمين، كانت هي من نبّهني إلى ذلك، وطلبت منّي أن أعطيها ما جلبت لها من الحلوى، والتي يبدو أنّها كانت في انتظارها منذ الصباح.

عند منتصف النهار تمامًا يأتي موعد التواصل مع الصفّ المدرسي من طريق تطبيق “زووم”. المعلّمة، ومساهمات التلاميذ والتلميذات ترفع الرأس.

بعد ذلك مباشرة نجلس لتناول الغداء “الخميسيّ”، وهو ما أُحْضِر معي من المنزل من لبنة، وجبنة الحلّوم، وزيت وزعتر، وزيتون وما تيسّر لي ممّا هو عادة عناصر الترويقة الدمشقيّة، لكنّ هذا ما يفضّله الحفيد والحفيدة، خصوصًا بوجود الخبز العربي. يستمتعان بقيامي بتحضير “لفافات” حسب طلباتهما. أفتح ربع رغيف، وأضع فيه نوعًا أو أكثر ممّا يروق للطالب حينها، وألفّ الخبز على نفسه على شكل “سيجار”. ويلتهمان أكثر من سيجار!

بعد الظهر نمارس معًا نشاطات مختلفة تهدف إلى تنمية الذهن والترفيه معًا، بما في ذلك التمشّي في الضاحية العامرة بالأشجار، وارتياد أقرب حديقة عامّة، بما فيها من ألعاب.

عند الرابعة، أترك الحفيدة والحفيد يتشاركان في الاستفادة من بعضهما، مثل القيام ببناء عمارات من “ليغو”، وأرقب كيف يتعاونان على خلق مساحات جميلة من الأبنية، والمساحات الخضراء، والمزارع، ومحطّات القطار، وما تجود به قرائحهما وهما يتنافسان على إبراز عملهما المشترك في أحسن حلّة حتّى تنال استحسان الجدّ والأبوين. ولا أمانع بعد يوم مفيد حافل أن يستمتعا بمشاهدة التلفاز. أثناء ذلك أبدأ بتحضير العشاء للعائلة.

منذ صباح ذلك اليوم كنت أشعر أنّ جاكوب، حفيدنا، يريد أن يقول شيئًا. كان بين الحين والآخر يسألني متى تنتهي شقيقته من فروضها المدرسيّة. كان يعلم أنّ الأولويّة في الصباح لها، مع أنّني لم أكن أتركه تمامًا، بل أعود إليه مرارًا لأرى ما يفعل، وأشجّعه. لكنّه، ولحسن حظّنا، لبق لطيف المعشر. وكنت أعلم لو أنّ ذلك الشيء عاديّ، لربّما سألني عنه في أيّ لحظة.

ما إن انتهينا من الغداء، والتفتنا إلى نشاطات العصر، حتّى رمى عليّ جاكوب قنبلته. نظر إليّ ابن الرابعة برهبة وترقُّبٍ وسألني: “من هم الأبورجينيّون يا جدّي؟ ومتى سكنوا أستراليا؟”

أحسست من تصرّفاته أنّه كان يعلم أكثر ممّا يصرّح، وأنّه أراد تأكيدًا لمعرفته من جهة يعتبرها موثوقة.

قلت له إنّهم السكان الأصليّون لهذا البلد، وإنّهم كانوا هنا قبل أن تسمّى أستراليا.

عاد يسألني ببعض التلعثم: “ولكن ماذا حلّ بهم؟ ماذا حلّ بهم؟”

بدأت أشرح، محاولًا عدم الوقوع في مأساة تفسير الحقيقة الأولى، أنّ الإنكليز حضروا للاستيطان في أستراليا منذ مئتي سنة، وتبعهم الأوروبيّون، ثم بشرٌ من كلّ أنحاء العالم، وها نحن هنا.

“ولكن ما حلّ بالأبورجينيّين؟”

أخبرته بتردّد أنّه نشبت بعض المعارك بين المستوطنين والسكان الأصليّين. عندها تدخّلت أخته، بنت السبعة أعوام، وقالت إنّ الإنكليز قتلوا معظم الأبورجينيّين.

نظر الصغير إليّ برعب أرعبني، وفي ملامحه سؤال. هززت رأسي مصادقًا على قول الشقيقة. عندها أدار رأسه بعيدًا عنّي، وبِصَمْتٍ مطبق رأيت قميصه يتبلل بغزارة دموعه التي حاول كبحها دون أن يفلح.

أدير رأسي بعيدًا، مداريًا دموعي وعذابَ كوني متعدٍّ آخر على حرمة هذه الأرض.

رابط مختصر –https://arabsaustralia.com/?p=18399