spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 50

آخر المقالات

كارين عبد النور ـ زفاف في موقع أثري لبناني… إبحثوا عن المحسوبيات!

مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتبة كارين عبد النور لسنا بإزاء...

شوكت مسلماني: قرار الكنيست برفض الدولة الفلسطينية صفعة على وجه المجتمع الدولي

مجلة عرب أستراليا- شوكت مسلماني: قرار الكنيست برفض الدولة...

أبوغزاله يشارك رؤى بروس ستوكس حول الانتخابات الأمريكية المقبلة لعام 2024

مجلة عرب أسترالياـ أبوغزاله يشارك رؤى بروس ستوكس حول الانتخابات...

هاني الترك OAMـ الهجوم على الحرية

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني الترك OAM إثر محاولة...

روني عبد النور ـ البكتيريا الخاملة… معنا أم علينا؟

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب روني عبد النور يُقال إن...

الدكتورة نجمة خليل حبيب- قراءة في ديوان “حين تتعرى الجهات” لعباس مراد

مجلة عرب أستراليا سيدني

قراءة في ديوان “حين تتعرى الجهات” لعباس مراد

بقلم الكاتبة والناقدة الدكتورة نجمة خليل حبيب

وما الحب من حسنٍ ولا من ملاحةٍ    ولكنه شيء فيه الروح تكلف

* * * * *

إنه ديوان حب وليس غزلاً يتبذل في وصف مفاتن الجسد، كما في الكثير من شعر نزار قباني وسعيد عقل وإبراهيم ناجي أو تلك التي تعج بها صفحات التواصل الاجتماعي من فايس بوك وتوتر وغيرها، بل هو حب يتغنى جمال الروح ، حب ملاءمة بين المحب والمحبوب ” اتفاق أخلاق وتشاكل أرواح” على حد تعبير ابن القيّم2، وهو ليس حباً عذرياّ وإن اشترك معه بالإخلاص لحبيبة واحدة وعشق روحها، فهو لا يغرق مثله في الشكوى والتظلم  كما في شعر قيس ابن الملوح وكثير عزة وجميل بثينة. وهو ليس حباً رسولياً يسعى إلى بث رسالة وطنية أو اجتماعية او تاريخية كما في شعر خليل حاوي وأدونيس .

حين تتعرى الجهات هو الديوان الثالث للشاعرعباس مراد سبقه اثنان هما: واحقيقة أننا غرباء” صدر عام 2012 و”صدى على صفحات الزمن” في عام 2016 ، وفيه ابتعد الشاعرعن مساراته  السابقة فشق درباً جديدة في بيدر الشعر، مكرساً معظم القصائد للحب، وعنه يقول: “في البدء كان الحب وسيبقى سفيراً إلى القلوب الحالمة، سيبقى نوراً يهدي العاشقين في ليالٍ دامسة”3. أما لغته فهي العربية الفصحى البسيطة والواضحة المعاني التي يسهل على الغالبية العظمى فهمها، ومنهجه قصيدة النثر الحديثة المتحلله من قيود الوزن والقافية الخارجة عن الشكل المعتاد عليه في القصيدة الكلاسيكية، ولا تتوقف نشاطات عباس مراد عند حدود الإبداع الشعري، بل تتعداه إلى مختلف الميادين الإعلامية والاجتماعية والسياسية:

عكس ما هو متعارف عليه من اعتبار العنوان عتبة النص الأولى وكاشف مضامينه نرى في عنوان هذا الديوان جملة ظرفية غامضة لا جواب لها (على غرار: عندما يأتي المساء. . .). غير أن الإهداء يسد هذه الثغرة إذ يقول فيه:

“إلى رفيقة دربي . .

مداعباُ ستائر الحلم

يتسلل الهوى من شرفة القلب

إلى نوافذ لقياك”

فعندما يهدي شاعر ديوانه إلى زوجته بهذه الشاعرية الشفافة نتوقع أن يكون الديوان ديوان حب ملتزم بامرأة واحدة تذكر بالشعراء العذريين وسيتضاعف هذا الإحساس إذا ما تصفحنا عنوانين القصائد وتبين لنا أن أغلبها يدور في هذا الفلك: “جنة الحب”، “صلاة الحب”، “زمن الحب”، “عصر حبك”، “محراب الحب”، “موانئ الحب”، “خيول اللهفة”، “سمفونية العشق” ..

يتألف ديوان حين تتعرى الجهات من خمسين قصيدة اتبع فيها الشاعر نسقاً واحداً يبدأ بموضوع معين، ثم يسير باتجاه فكري وشعوري محدد تتسلسل فيه الأبيات إلى أن تنتهي بما يشبه لحظة التنوير في القصة القصيرة:

قصيدة “شعلة الحنين”

سوف أسكب لك

من شعري

قهوة الصباح

وأشعل لك حنيني

حتى يدخل قلبُكِ

مخالفاً الأعراف وكل القوانين

ليستريح قلبي

ها وقد أصبح عصياً

على التدجين

قلبي ..

الذي تتدفق سطوته كالبراكين

فاخمدي ناره بقبلة من شفتيك

حتى يستكين

على هذا النسق تسير معظم قصائد الديوان حتى أنه يصح ان يطلق عليه ديوان القصيدة، أو القصيدة الديوان، بمعنى أن الديوان بأغلبيته، قصيدة واحدة متنوعةٌ الزوايا ومتكاملة الأبعاد وذات بناء شعري يدور في فلك المرأة الحبيبة الحاضرة فكرة والمغيبة نطقاً تعلًم وتنصح وتهدي بصمت بدون ما حاجة للكلام. وإزاء هذا التميّز الجمالي، في بنية شعرية أساسها اللحمة الشعرية في قصيدة واحدة، والتقاؤها على موضوع واحد، فإن التأويل يجب أن يكون موازيا لأية قراءة نقدية جمالية، ذلك لأن عملية التأويل على حد تعبير المفكر تودروف، “تفصل المتلاحم، وتجمع المتباعد، لأن التأويل يشكّل النص في فضائه الدلالي، وليس في خَطّيته، وهذا لا يمنع من تعدد التأويلات، فالدائرة التأويلية تسلم بضرورة تواجد الكل وأجزائه، ولكنها دوائر التأويل لا تتساوى، فهي تسمح بالمرور عبر عدد يكثر أو يقل من نقاط الفضاء النصي، أي أن تأويل النص الشعري يمتاح من لغة النص وجمالياته، وتتسع دوائر التأويل أو تضيق تبعا لاستراتيجية القراءة، وما ارتكزت عليه نصياً4 .

قصيدة “حين تتعرى الجهات”

ابجديتي أنت

منذ بدء التكون

وقاموس حبي

كنت انت وتبقين

ليلي هو انت

سيدتي الساكنة في الكلمات

بين مداد العشق والحنين

تشرقين

تضيئن صفحات ايامي

الصمت يأخذني بعيدا

ينسج حلما دائما

دليلي انت

حين تتعرى الجهات

في هذه القصيدة يبدو الشاعر طفلاً تفتحت حواسه على حين غفلة لحب آخر غير ذاك الذي عرفه في طفولته الأولى، فراح يتغناه بعفوية ويصف بفرح تأثيره في حياته، ملامساً ببوحه ما يعتري الانسان عادة عندما تتفتح عواطفه/ها للجنس الأخر. لحظة نحس معها انبلاج فجر في حياتنا. لحظة ترجمها الشاعر حباً نورانياً أنزل فيه الحبيبة منزلة الخلق الأولى التي تستحق السكن في الكلمات، مستعيراً ما للكلمة (مفرد كلمات) من قيمة تاريخية وحضارية ودينية، فهي في المسيحية كلمة الله التي كني بها المسيح5، وفي الإسلام هي الآية الأولى التي انزلت على النبي محمد6. ثم جاء حسن ختامها ليجعل من حبيبته المرشد الأمين الذي يقوده نحو الصواب حين يرتبك وتنعدم أمامه الطرق القويمة

والديوان في مجمله ديوان حب خرجت قصائد معدودة منه عن أغراض هذا النوع ذهبت مذهباً تشاؤمياً تتكلم عن عذابات النفس في اغترابها وغربتها.  ففي قصيدة “السجان” (يد السجان تعبث بما تبقى من أنفاس/  من أحلام/  تدمي القلوب/  تعذِّب الروح). وفي “حقول التيه” (العمر يتسلل من بين أصابع الأيام/  ورمال متحركة تُغرِق في ليل صامت). وفي “ارصفة النسيان” (القلب لا يستكين على الفراق/ نبضه يقلق/ وتسير الأيام على غير هدى/ وتضيع الجهات)7

وقصيدة “عيترون” هي مسك ختام الديوان، وعيترون هي القرية التي ولد فيها الشاعر وكان لبيئتها وطيبة ناسها أثر كبير في تكوينه العاطفي والنفسي. ولعل للبعاد عنها لسنوات طوال في أستراليا اليد الطولى في تفجير ينابيع الحنين إليها، ورؤيتها مهد لكل جميل. ذلك أن استحضار الصورة من المخيلة يلقي عليها غشاوة بيضاء تتغاضى عن العيوب. أو قد يكون النهج التفاؤلي الذي اتبعه عباس مراد في ديوانه هو السبب الذي جعله يرى عيترون على هذه الشاكلة:

من جهات الريح

يأوي الحب في مهاجعنا

من زرع الآباء ومحاريثهم

من حصاد الأمهات ومناجلهم

ومن اجتهاد الأطفال وكتبهم

تُضاء الشمسُ في مسائكِ عيترون

تبغ وحنطة ورجاء

وهضاب سيجتْ خيراتِكِ

كروم التين، العنب والصبار

وزيتون يروي تاريخ الأحرار

صامداً شامخاً متجدداً

رفيق الأجيال

. . عيترون . .

لك كل الحب

وأكثر بكثير من الحنين

* * * * *

نذر عباس مراد ديوانه (حين تتعرى الجهات) للحب الصافي البعيد عن العواطف السلبية من غيرة وحسد وأنانية، وابتعد فيه عن أغراض الشعر الكلاسيكية من مدح وفخر وهجاء، اللهم إلا ما جاء في قصيدة “عيترون” من مفاخرة ببلدته وطيبة أهلها. وكثّف معانيه بصور شعرية بليغة لا إسفاف فيها ولا غموض يرهق المتلقي في فك مغاليقه.

الهوامش:

[1] عباس مراد، حين تتعرى الجهات، ط/1، بدون بلد، بدون دار نشر، 2021

عباس مراد من مواليد عيترون قضاء بنت جبيل، جنوب لبنان، هاجر إلى استراليا في العام 1988، له سجل حافل في العمل الأكاديمي والمجتمعي من مدرس إلى عضو في اللجنة الاستشارية لحكومة نيو ساوث ويلز للجالية اللبنانية. نَشَرَ ولا  يزال ينشر المقالات في صحف الاغتراب (النهار، التلغراف، المستقبل، الهيرالد، الأنوار وبانوراما)، وعدة مقالات في جريدة القدس العربي والنهار البيروتية وفي مواقع الكترونية متعددة. عمل في القسم العربي في اذاعة  ( اس بي اس) وإذاعات أخرى .حائز على العديد من جوائز التكريم نذكر منها: شهادة تقدير من وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية عام 2016، شهادة تقدير من وزارة  التربية في برلمان ولاية نيو ساوث ويل الاسترالية عام 2016، شهادة تقدير من بلدية روكديل تقديراً لخدماته لأبناء الجالية الاسترالية في منطقة روكديل ونشاطه الثقاقي والأدبي.عام 2016

[2] ابن القيّم، “كتاب روضة المحبين ونزهة العاشقين، الباب الخامس، ط/ العلمية: المكتبة الشاملة، ص 66

ص66 – كتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين ط العلمية – الباب الخامس في دواعي المحبة ومتعلقها – المكتبة الشاملة (shamela.ws)

[3] ينظر في

https://www.sbs.com.au/language/arabic/ar/podcast-episode/mourad-abbbas-lebanese-writer/lyea6peqc

[4] ينظر في

https://www.knooznet.com/?app=article.show.58876

[5] جاء في انجيل يوحنا عن المسيح: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والله هو الكلمة”

https://st-takla.org/Bibles/BibleSearch/showVerses.php?book=53&chapter=1&vmin=1

[6] إشارة إلى الآية الكريمة التي نزلت على النبي محمد والتي تبدأ ب”إقرأ باسم ربك الذي خلق…” للمزيد ينظر في:

//surahquran.com/aya-1-sora-96.html

[7] ملاحظة: الأمثلة بين الهلالين ليست حرفية بل بتصرف.

رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=31179

ذات صلة

spot_img