“التنمية” في نشأتها وامتدادها التاريخي. بقلم الصحافي د.زياد علوش

بقلم:الصحافي د.زياد علوش

مجله عرب استراليا – سدني – في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجد العالم نفسه مدعواً للانقسام إلى معسكرين شرقي وغربي عاشا زمنا طويلاً على إيقاع الحرب الباردة،لكن مع تنامي حركات التحرر من الاستعمار سيلوح في الأفق عالم ثالث سمي بدءاً بالدول المتخلفة و المتأخرة عن النمو،لكن و من أجل تلطيف الوصف و جعله أكثر إنسانية سيتم اختراع مصطلح الدول السائرة في طريق النمو أو الدول النامية.

لكن يبدو أن صفة العالم الثالث ما زالت الأكثر حضوراً وتعبيراً عن هذه الدول التي يقول عنها فوريست ميردن أن ” العوامل المشتركة فيما بين شعوب هذه الدول هي مشكلاتهم وتاريخ شقائهم الطويل،فهم فقراء ومرضى وجوعى وأميون،إنهم يقطنون مساكن غير صحية ويموتون في سن مبكرة ويزداد عددهم بأكثر من مليون كل شهر ” في سياق هذا التقسيم السياسي والاقتصادي للعالم بدأ مصطلح التنمية يتداول على أوسع نطاق،وعلى الرغم من اشتغال أدم سميت خلال أواخر القرن الثامن عشر على هذا المفهوم في كتاباته عن الاقتصاد.

لقد كانت مصطلحات من قبيل التطور والنمو والتقدم المادي والاقتصادي والتحديث والتصنيع أكثر استعمالاً،وذلك إلى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية،لكن بعدما وضعت الحرب أوزارها،وصار العالم مقسماً وفقاً للتصنيف الآنف ذكره ،أصبح مفهوم التنمية حاضراً بقوة في مختلف النقاشات السياسية والعلمية،بل إنه صار تخصصاً علمياً خالصاً في إطار سوسيولوجيا التنمية ومبحثاً حيوياً في كثير من المعارف الأخرى كالجغرافيا والاقتصاد والزراعة والإدارة الترابية .

التطور المعرفي الذي شهده المفهوم سيقود نحو مزيد من التخصص الذي فرضته أسئلة التنمية على المستوى الواقعي، بحيث لم يعد الحديث مقبولاً عن التنمية بشكل مغرق في العمومية والشمولية،وهذا ما استوجب تفريع التنمية إلى واجهات عدة للاشتغال ، كالتنمية المحلية والتنمية الاقتصادية والثقافية والسياسية والزراعية والقروية ..

وبالطبع فالتوسع المعرفي يفترض من جهة ثانية نحتاً متواصلاً لمقاربات جديدة،وهذا ما أفضى إلى إبداع مقاربات وآليات اشتغال متنوعة لإعمال التنمية واقعياً في المشهد المجتمعي .

التنمية في نشأتها وامتدادها التاريخي كنظرية وكممارسة ستدفع بالعديد من مثقفي العالم الثالث وغيرهم في الستينيات من القرن الماضي إلى إمعان النظر في إشكاليات التخلف و التبعية بحثاً عن النموذج الأنسب لتحقيق التنمية، و في هذا السياق اشتغل سمير أمين على نظرية المركز والمحيط محاولاً الوصول إلى فهم الأسباب التي تكرس التبعية والتخلف وتمنع من تحقيق التنمية والتحرر .

لكن المنعطف التاريخي الذي شهده مفهوم التنمية سيكون في أروقة الأمم المتحدة مع احتدام النقاش حول الفوارق الصارخة بين الدول المتقدمة والأخرى التي توصف ( من باب المجاملة ) بالعالم الثالث أو السائرة في طريق النمو ، فبدءاً من السبعينيات وإلى حدود الآن سيتم الاشتغال في كثير من اللقاءات العلمية للأمم المتحدة على هذا المفهوم خصوصاً في اتصاله الوثيق بالتنمية المستدامة . ففي سنة1986صدر إعلان الحق في التنمية الذي تؤكد المادة الأولى منه على أن ” الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف ، و بموجبه يحق لكل إنسان و لجميع الشعوب المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية والتمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان و الحريات الأساسية إعمالاً تاماً ” .

أن المادة الثانية من هذا الإعلان توضح جيدا بأن ” الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية ” و في ذلك دليل قاطع على وجوب القطع مع المقاربات الاقتصادوية للتنمية التي تراهن على الأرقام و المؤشرات المالية فقط ، بما يعني ذلك من أن التنمية هي مشروع تغييري شمولي يستهدف الرفع من شروط و ظروف الحياة المجتمعية برمتها .

 

د.زياد علوش

رئيس تحرير مجموعة الفجر الجديد الاعلامية مؤلف كتاب”لبنان التنمية آفاق وتحديات”

رابط محتصر-https://arabsaustralia.com/?p=3988

مساحة إعلانية مدفوعة

 oula.bayad@gmail.com لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني