مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق ـ رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا، ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي، وعضو الهيئة الاستشارية بمجلة عرب أستراليا
قبل مدّة قرأتُ في أحد التقارير الصحفيّة (على النت) أنّ حكومة السويد خصّصت ما يقارب 300 مليون كرونا (الدولار الأسترالي يعادل 6.17 من العملة السويديّة) لمواجهة شعور السويديين بالوحدة والعزلة (المركز السويدي للمعلومات SCI)، حيث أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعيّة (يكوب فوشميد) أنّ الوحدة غير الطوعيّة مشكلة اجتماعيّة واسعة الانتشار في السويد، وأنّ الكثير لديهم شعور بالعزلة الاجتماعيّة.
واليوم، وأنا أقرأ في إحدى الصحف الأستراليّة (4 يناير 2026) The Senior مقالًا بعنوان: «مدى قوّة الترابط والتواصل لمحاربة الوحدة» للكاتبة ليزا إيدسير – صفحة 17، ذكرت فيه أنّ جامعة كوينزلاند للتقنية (QUT)، وبالتعاون مع شركة سيسكو للاتصالات، أجرتا عددًا من الأبحاث بخصوص كبار السن وممّن يعانون من الوحدة والعزلة، وخلصت إلى أنّ الاتصالات الهاتفيّة بين الناس تخفّف كثيرًا من المعاناة والشعور بالعزلة (أكثر من 30000 اتصال شهريًا يصل إلى مؤسسة Anglicare Southern Queensland). وبالرغم من انتشار تقنيّة الذكاء الاصطناعي والردّ المسجّل والمبرمج، فقد تمّ التأكيد بأنّ الاتصال الطبيعي أفضل بكثير لتخفيف المعاناة. وأكّد التقرير بأنّ مشكلة الوحدة تطال واحدًا من كلّ ثلاثة من كبار السن في أستراليا (في ظروف مشابهة لتدخين 15 سيجارة أو شرب 6 كؤوس من الكحول في اليوم)، بحسب أبحاث مؤسسة Groundswell Foundation. وعمومًا، هذه المشكلة تكلّف الحكومة 2.7 بليون دولار في كلّ سنة في قطاعات الصحّة والخدمات الاجتماعيّة وفقدان الإنتاجيّة مجتمعة.
مشكلة الوحدة والشعور بالعزلة زادت عالميًا بعد جائحة كورونا – كوفيد 19، والتي ثبُتت مؤخرًا بأنّها من الألاعيب المكشوفة لمحور الشرّ والمفسدين في الأرض، وحاليًا تسعى الحكومات جاهدَة لإيجاد حلول وبرامج وخطط لإرجاع المواطنين لممارسة حياتهم الطبيعيّة بعد تزايد حالات الاكتئاب والعزلة ومحاولات الانتحار والعنف والجريمة والمخدرات. وفي أستراليا مثلًا، هناك ما يُسمّى بـ The Men’s Table (بدأت في العام 2011)، وهي مبادرة خلاّقة لاستبعاد ومحاربة الوحدة والشعور بالعزلة، وعمل لقاءات شهريّة للتحدّث بين الرجال بعضهم لبعض، ويستمتعون بالأكل والشرب وتبادل الكلام، ولا علاقة لها بمواضيع أخرى مشابهة كعلاج الإعاقة (Disability) أو مشاريع NDIS أو Aged Care ذات الطابع العلاجي أو الصحي؛ فمشكلة الوحدة والعزلة أقرب ما تكون إلى كونها مشكلة اجتماعيّة أخلاقيّة بالدرجة الأولى، وخصوصًا في بداياتها.
الجانب الذي لا يحبّ أن يسمعه البعض هو أنّ جميع الأديان السماويّة (اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام وربما غيرها) تحثّ على التواصل والمودّة والمحبة والعيش بسلام، وصلة الأرحام والقربى، وبرّ الوالدين، واحترام الجيران، والتعامل مع الغرباء (العرق والدين) بالأدب والأخلاق. وهذا ما تفعله الحكومة الأستراليّة أو بعض مؤسساتها من تقريب لوجهات النظر في مسألة التعدديّة الثقافيّة (Multiculturalism) بين الأستراليين من أصول مختلفة (هنود وعرب وصينيون وأفارقة وأوروبيون وأمريكان وغيرهم). ولذلك أُنشئت التجمّعات واللقاءات (Meetups) في الأحياء والمناطق وفي جميع المجالات التي تتناسب مع ميول الناس الرياضيّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة وغيرها، وقد راجت كثيرًا لتنوّع مرتاديها واختلاف ثقافاتهم.
أمّا الجالية العربيّة في أستراليا، وما أدراك ما الجالية العربيّة (وهي نسخة مصغّرة من الواقع الحقيقي في العالم العربي/الشرق أوسطي)، فهم كثير، ولكن! فالانقسامات والتحزّبات والعقليّات (المنفردة) أثّرت على عدم حبّ التزاور والتواصل مع بعضهم البعض، وقد آثر بعضهم العزلة والوحدة على غيرها من الاندماج والتآلف وحبّ الغير، وربما لأسباب غير معروفة (وقد تكون من باب القدرة الماليّة أو الحسد والغيرة أو حتى النميمة والغيبة وما شابه)، ممّا عمّق الإحساس بالابتعاد وعدم المبادرة بكسر حاجز الوحدة والعزلة. وربما اقتصر الأمر في ذلك على المقرّبين والمقرّبين فقط. وقد عُرف عن العرب الأستراليين حبّهم للحياة واللقاءات والزيارات والاستمتاع بالأوقات، فلا تجعلوا مكانًا للوحدة والعزلة، وخصوصًا في هذه الأيام العصيبة؛ فغربة المكان وحدها قاسية للبعض، فلا تجعلوها أكثر قسوة. واعلموا أنّ الأرزاق مكتوبة، والآجال محدودة، والعمل الصالح هو الذي يدوم، ولا داعي للموت قهرًا وكمدًا؛ فالحياة قصيرة، ومتَعُها محدودة، فلا تقسوا على بعضكم البعض، فتحابّوا وتهادَوا، وكونوا مثالًا جيّدًا لأولادكم وأُسركم من بعدكم، والله المستعان.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=45534



