مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق – رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمجلة عرب أستراليا
في الأعياد والمناسبات الاجتماعية لم يعد أحد يتصل بأحد، لا الإخوة بعضهم ببعض ولا الأقارب والأصدقاء، وبات التواصل (على الأغلب) بالرسائل الهاتفية الإلكترونية (إيموجي – Emoji) والتي هي رموز صورية مصغرة تستخدم في الرسائل الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن المشاعر والأحاسيس (الجامدة)، وتعتبر بديلًا مرئيًا عن الكتابة والصوت (أصل الكلمة من اليابان وتعني الشكل)!
هناك فرق كبير بين الاتصال Calling (مرسل ومستقبل أو متكلم ومستمع وفي نفس اللحظة) وبين التواصل Communicating بين اثنين أو أكثر – (ممكن تتواصل مع أبيك برسالة وبشعار / صورة قلب أو يد ليرد عليها بعد يومين أو ثلاثة وربما أكثر وبنفس الشعار!)، ويمكن أن تهنئ العشرات من أصدقائك أو حتى من أقربائك برسالة رقمية صورية معادة ومكررة بمناسبة العيد السعيد أو الجمعة المباركة أو عيد الفصح ليقوم هؤلاء بإرسالها مرات عديدة لمن يعرفونهم وهكذا تدور الرسائل.
والحقيقة المؤسفة أن التلفون أو الهاتف (النقال أو المحمول) هذا لم يعد يستخدم للغرض الأساسي أو الوظيفة Function التي من أجلها فهمها الناس والتي هي المكالمات والاتصالات وفي أي وقت نشاء وأي مكان نريد بدلًا من الهاتف الأرضي (المنزلي أو بالعملة)، وبالرغم من توافر هذا الجهاز لكل الناس أو لمعظمهم وربما امتلكه كل فرد في العائلة، ولكن قلما تجد الابن يتكلم مع عمه أو البنت مع خالتها أو عمتها والكل تجده يحمله وعلى مدار الساعة وحتى في غرف النوم أو دورات المياه!.
“المحمول” أو النقال أو الخلوي اليوم للأسف، وعلى الصعيد الآخر، أصبح ساحة للفضائح والردح والاستعراض والكثير من التفاهات والسخافات، وبالرغم من كونه سلاحًا ذا حدين إلا أن الجانب السيئ قد استفاد كثيرًا من هذه التقنية وطغى وتكبر وسلب الكثير من عقول البشر، فهل يهم الناس ماذا يلبس الفنان الفلاني من ذهب وفضة وكم عدد السيارات التي يملكها وأنواعها؟ وهل يهمنا كثيرًا إذا ما كان أكل الدجاج (الفراخ) حلالًا أم حرامًا وهل ذكر في الكتاب المقدس أم لا؟ وهل نرد على التعليق السياسي على أنشودة القارئ الفلاني ولباس المذيع العلاني وعربات الكبدة والسجق في الشوارع وخناقة علماء الدين حول مفتي البلد وتكفير الناس لبعضهم البعض وإظهار المفاتن والعري في حفلات الأعراس وأعياد الميلاد وغيرها من الخلاعة والمجون وربما قلة الذوق والأدب.
الشيء المؤسف أيضًا نشر الغسيل وبجميع أشكاله، والتباهي والتظاهر ونشر الشائعات والأكاذيب من خلال هذا المحمول، فاليوم نرى أبو سعدي مثلًا قد اصطحب زوجته إلى مطعم (الوردة الخضراء) بمناسبة عيد زواجهم الخمسين فهل يهمنا هذا الخبر كثيرًا؟ (وبالمناسبة مبروك أبو سعدي)، وكذلك أخبار المحلل السياسي والديني المخضرم (إيدي عزوز) قد أفتى بجواز الجمع بين الأديان، ناهيك عن حبكات الذكاء الاصطناعي وشيطنة عقول الناس، وقد ترى إحدى قريباتك أو ابنتك بلباس البحر (أو حتى بدون اللباس) وغيرها من مشاهد العري والخزي لأناس تعرفهم ولا تعرفهم، ولا تدري إن كانت صحيحة أم لا؟ وبين هذا وذاك يتم دس أو إدخال ما تمت برمجته في الجوال من مواد تتنافى مع الذوق العام لتحريك العواطف والغرائز وشيطنة العقول أيًّا كان نوعها.
الهاتف المحمول أو النقال وبالرغم من فوائده أصبح اليوم (جاسوسًا) على خصوصيات الناس، وكثيرًا ما تظهر الفضائح والأسرار عن حياة الآخرين صغيرها وكبيرها وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وليتها كانت حكرًا على صاحبها فقط بل أريد لها الانتشار وبتشويه يريده المحمول نفسه لا صاحبه، فلم تعد تملك القدرة للتحكم بمحتوياته ولا السيطرة عليه، وربما كانت النصيحة في الختام أن تحذر أنت وعائلتك من الاستخدام الخاطئ لهذا الجهاز وإلا سيكون الويل والحسرة وربما الدمار من نصيبك ونصيب من تحب والله المستعان.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=46809



