مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق ـ رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمجلة عرب أستراليا
أذكر قديماً قصة لأحد زملائنا الطلبة البورماويين، وقد قدم من (بورما) – وهي تُعرف اليوم رسمياً باسم جمهورية ميانمار في منطقة جنوب شرق آسيا – للدراسة في نفس الجامعة التي أدرس فيها في تلك الفترة في السبعينيات الميلادية، وبعد أن حصل على منحة دراسية لتكملة رسالة الماجستير في العلوم الهندسية. وعندما شاهدناه للمرة الأولى كان يلبس لباساً أقرب ما يكون بلباس العلماء المسلمين الأوائل، والذين كنا نشاهدهم في التلفزيونات العربية (فترة الأبيض والأسود)، ويتحدث العربية الفصحى (في وقت أو زمن الممثلين اللبنانيين الأكثر شهرة – العملاقين – رشيد علامة وعبد المجيد مجذوب يرحمهم الله). وحقيقة الأمر في ذلك الوقت انقسم زملاؤنا في الكلية إلى فريقين، الأول منهم مرحب ومستمتع بهذا الزميل الجديد والذي يتحدث اللغة العربية (الفصحى) بطلاقة، والآخر بين مستهزئ وغير مبال لا بالشكل ولا بالمضمون لهذا الزميل الجديد وكأنه هبط علينا من العصور السابقة من أيام الدولة الأموية أو العباسية (عمامة رأس مميزة ولحية طويلة وثياب قصيرة !)
ما أرمي إليه اليوم من هذه المقدمة والمغزى من القصة بأن زميلنا هذا كان يتوقع منا أن نعامله معاملة الصحابة والتابعين أو ممن شهدوا أيام الخلافة الراشدة وغيرها في ذلك الزمان، وكذلك المجتمع في ذلك البلد (كوننا في دولة إسلامية عربية) الذي كنا ندرس فيه ونعيش، وكأنه امتداداً لتلك الحقبة التاريخية، ولكن للأسف معظم توقعاته باءت بالفشل، فزملاؤه من حوله وكذلك شرائح عديدة (كما أخبرني لاحقاً) من ذلك المجتمع كانوا يكذبون ويخادعون وينافقون (يوعدون ولا ينفذون)، وعكس ما توقعه تماماً (الصورة الذهنية في مخيلته قبل المجيء لذلك البلد ولأول مرة !)
اليوم وأنا أعيش في بلاد الغربة (المهجر)، حيث تعدد الأديان والثقافات والجنسيات، يُصنّف الناس حسب معتقداتهم الدينية والفكرية والاجتماعية، وقضية التكفير للأشخاص والمجتمعات Disbelieving أو الكفرة Infidels قضية نسبية تعتمد على ترجمة الكلمات ومعانيها، فقد لا يتفق المهاجر (المسلم) في أستراليا مع زميله المهاجر أو المقيم النصراني أو اليهودي أو حتى الملحد، ولكن ما شدّ انتباهي وربما الآخرين أيضاً بأن الصغار (الأطفال) يتعلمون (الصدق والأمانة) منذ ولادتهم أو نعومة أظافرهم، وقبل قراءة الكتب الدينية أو سماع الأناشيد السماوية، ومن هنا تكون البداية الصحيحة لبناء الشخصية السليمة الواعية للطفل أو المرء، فلا يمكن للصادق والأمين في هذا المجتمع وبهذه الخصال أن يكذب أو يسرق أو يغش ويخدع (ولا شيء يجبره لفعل عكس ذلك – وطبعا هناك حالات استثنائية وربما تكون مرضية، وكما هو الحال في كل زمان ومكان)، ففي البيت يتعلم ويمارس الصدق ولا يكذب، وفي المدرسة لا يغش، وفي العمل لا يخادع، ويعامل الآخرين بما تعلمه من أخلاق ومبادئ.
في المقابل، وفي كثير من الدول العربية والإسلامية لا يهتمون كثيراً بأمور الصدق والأمانة (مع أنها جزء من دينهم وعقيدتهم) في أمورهم اليومية والحياتية وبدءاً من الصغر، وكأنها قضية اختيارية، فالأب يكذب على زوجته وأولاده متى يشاء (وربما يعتبرها مزاحاً أو تقليداً عائلياً)، والأم تتجمل مع جيرانها وأصدقائها (وكأنها تمزح معهم)، والأولاد يغشون في المدارس (وكأنها شطارة أو فهلوة)، والمتقاعدون يتحايلون على المعاملات الحكومية والخاصة، والعاطلون يتكسبون من خلال الأوراق والشكاوى المزورة (وكأنها حق مكتسب)، وطالما لا أحد يراقبهم أو يكتشفهم فقد تكون فرصة سانحة وقد لا تعود، فاظفر بها، وهكذا (وكما يقال في الأمثال: من شبّ على شيء شاب عليه !)
“الصدق والأمانة” ليستا خياراً ترفيهياً أو مزاجياً للموحدين المؤمنين يهوداً كانوا أو نصارى ومسلمين، فهما عمودا الأخلاق والتعاملات بين البشر، بغض النظر عن عقائدهم ومذاهبهم وأشكالهم.
ما أقوله اليوم ليس من باب الترفيه والتسلية لقرائي الأعزاء، إنما هي تجربة (شخصية) امتدت لأكثر من ستون عاماً بين الحضارتين، وما نشاهده اليوم (وعبر الإعلام المرئي والمقروء ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها) من انحدار وهبوط وانحطاط لأجيال كاملة هو بسبب التهاون في موضوع “الصدق والأمانة” أعلاه، والله المستعان.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47120



