مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق – رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمجلة عرب أستراليا
إن كنت قد نويت للسفر من مدينة “سدني” إلى مدينة “ملبورن” أو أخرى، مثلا، فمؤكد ستأخذ معك بعضًا من الملابس والغيارات، بالإضافة إلى مستلزمات الأكل والشرب (لو كان السفر على الأرض)، وربما متعلقات أخرى شخصية ووقائية، بالإضافة إلى بعض المال أو ما شابه، إن كنت ممن يتعاملون بالنقد (الكاش)، ولو كنت مسافرًا بالطائرة، فهناك مستلزمات أخرى مشابهة، وقد يُضاف عليها أشياء أخرى خاصة لكل مسافر وحسب جنسه (ذكر أم أنثى وكبيرًا أم صغيرًا)، وهذا ما يفعله العقلاء من أصحاب التخطيط السليم والفكر النير، وفي عرف العامة تُسمى كل هذه الاستعدادات بـ “الزوادة”، وقد تختلف الكلمة أو المصطلح من أهل الشام لأهل العراق أو المغرب العربي، وربما “التزود” أقرب للجميع فهمًا، ولا تعني بالضرورة هنا سندويتشات الجبنة والبيض وقليل من الكسرات/الكرزات للتمتع بها أثناء الرحلة.
الكيس الفطن (أرجو أن تقرأوها جيدًا – مراعاة تشكيل الحروف) يدرك تمامًا ماذا أعني بالعنوان أعلاه، وهي آية قرآنية (سورة البقرة – 197)، وحثت الناس للتزود بالطعام والشرب عند السفر، سواء للحج والعمرة، أو لأي نوعٍ من الأسفار والترحال الأخرى، وقد جاء التركيز هنا على كلمة (خير الزاد)، بالإضافة إلى كلمة “تزودوا”، وأرجعها لكلمة أقوى وهي (التقوى)، وهذا مربط فرسنا اليوم في هذا المقال لعلكم ترحمون! فالتقوى، وكما عرفها الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه بالآتي:
الخوف من الجليل،
والعمل بالتنزيل،
والرضى بالقليل،
وأخيرًا الاستعداد ليوم الرحيل.
أما الخوف من الله، فاليوم هي القلة القليلة التي تخشى الله (بالغيْب)، ونسي الناس (يهوديًا كان أو نصرانيًا ومسلمًا أو غيرهم)، أن الواحد الديان ورب الأرباب هو معهم في كل تحركاتهم وسكناتهم، بل وفي صدورهم وأنفاسهم، فمن ذهب لبيوت الأنس والدعارة، فالله يشاهدُه خطوة بخطوة (سَمْعًا وبصَرًا)، أو من يزور ويغش في أوراق (السنتر لنك – الإعانة الحكومية)، أو مستندات التأمين للسيارات، أو المستشفيات وغيرها من الأوراق الحكومية والخاصة، فالله بها عليم، وقد تم تسجيلها بالصوت والصورة، وشهد عليها جسد الإنسان (من أيدي وأرجل – يوم الحساب)، ومن الصعب نكرانها!
التحدي العظيم هنا أن تخاف من شيء لا تراه ولا تلمسه، ولكنه مؤكد وجوده، ولا تظن نفسك ذكيًا أو شاطرًا، حتى لو كنت وحيدًا في الغرف المظلمة!
أما العمل بالتنزيل (كتب الله السماوية)، فلم تعد الناس تقرأ أمر دينها، لا في دور العبادة (معابد وكنائس ومساجد)، ولا حتى في بيوتها لتفهم بأن كل مجريات الحياة بيد من خلق الحياة والناس أجمعين، وأصبحت شبه مهجورة، وربما ظهرت في بعض حفلات الزفاف والطهور وزراعة الشعر وغيرها، لمزيد من النفاق الإعلامي. ثم، من منا اليوم يرضى بالقليل، ومعظمنا اليوم قد يبيع أخوته وأصدقاءه لحفنة قليلة من المال، أو قد ينخرط في المحرمات من مخدرات وقمار ودعارة من أجل المال، ولم يعد يفرق بين الحلال والحرام (إلا عندما يذهب للجزار أو المتجر لشراء بعضًا من لوازم الطبخ!).
تكاد اليوم لا ترى أحدًا منا هو قانع أو راضٍ بما قسم الرب له، فالكل يشتكي ويتذمر، وربما يندب حظه وحظ من معه، ولم يعلم بأن الرزق (ليست المال فقط – بل الصحة والعافية وراحة البال والسلامة والعقل والحكمة) كله من عند الله، والذي خلقه وخلق رزقه معه، ولا تعلم ما حواليك من سيارات فارهة وبيوت، وربما قصور فاخرة تحسدها أنت وأهلك ليل نهار، ولا تعلم بأنها ملئت بأولاد معاقين أو منحرفين، وزوجات قد يكن أرامل أو مطلقات / منفصلات، فالمال ليس هو كل شيء، وسوف تحاسب عليه (كيف اكتسبته وكيف أنفقته)، مع العلم بأن صحيفتك قد دُوِّن فيها كل ذلك، وإنما هو الاعتراف الحقيقي، وربما المخجل أمام الواحد الديان وقاعة المحكمة، عندئذ لن يكون بها أحد ما عدا / عدا أنت، وهو جل جلاله سبحانه.
وأخيرًا، وإن كنت تنوي النجاة وبأهلك، فالسفر والرجعة إلى الله قد اقتربت، فلا تدري متى ولا أين هو القدر ونهاية العمر، فأحرص على دراسة أسئلة الامتحان الأربعة أعلاه جيدًا لدخول جامعة السماء الأبدية عند رب السماء والأرض وما يحيط بهما، وهو الزاد الحقيقي، والذي يجب أن تحرص عليه أثناء سفرك لمقرك ومستقرك الخالد بمشيئة الله.
لستُ شيخًا من شيوخ الدين، ولا واعِظًا أو قِسًّا أو راهِبًا، إنما محبًا لكم، وأحببت أن أتذكر معكم في عجالة، بأننا لم نأتِ لهذه الدنيا لاعبين أو متفرجين، يحسد بعضنا بعضًا، ونضمر الشر والكراهية والحقد لمن حولنا، فالإنسان أرقى من أن ينزلق في أمور الدنيا الغرور، وقد نخسر الدنيا والآخرة معًا، وفقنا الله جميعًا لما يحب ويرضى، والله المستعان.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=45936



