مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق ـ رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي وعضو الهيئة الإدارية بمجلة عرب أستراليا
القضية، وكما أراها، ليست اختلافًا في الرأي أو وجهات النظر، بل قد تتعدى ذلك. فالبنت وأمها في أستراليا أو كندا وأمريكا (وربما دول أخرى) دائمًا في نقاش أو شجار شبه مستمر، فالبنت تنعت أمها (المهاجرة) بالسطحية وقلة التمدن وربما عدم الانخراط حضاريًا في المجتمعات والابتعاد عن مظاهر الحياة (الترندات والموضات وحال وسير الناس) المتزايدة، وكذلك الأمر نفسه يندرج، وبحدة أقل، مع الولد وأبيه، حيث تشعر في تصرفاته بالأنانية والمادية (إلا من رحم ربي) والتخلي عن القيم والأخلاق والمبادئ تجاه من هم أكبر سنًا وأقرب كالعم والخال وباقي الأسرة.
فالاحترام المتعارف عليه بين الأب وابنه قد بدأ في الزوال، ولقد أحزنني كثيرًا بعض المشاهد في التجمعات والأسواق والفعاليات، حيث تجد الأب لا يحظى بمعاملة لائقة من ابنه أو ابنته، وذلك على عكس ما علمنا إياه الدين (أيًّا كان نوعه) والأدب والخلق الرفيع. فتجد الابن، الذي قد يتراوح عمره بين العشرين والثلاثين، لا يأبه بشكل أبيه ولا أين يجلس أو يمشي أو حتى يأكل.
أما المشاهد الأخرى والأكثر إيلامًا، فهي هجران الولد لأبيه أو لأمه. فهل يعقل أن يتخاصم الولد مع أمه ولا يتحدث معها أو يراها لسنين طوال؟!
أولاد اليوم (ذكورًا وإناثًا)، نصارى أو مسلمون، في الغرب أو حتى في الشرق، لا يدركون تمامًا ما معنى “الجنة تحت أقدام الأمهات” ولا “أنت ومالك لأبيك” أو “أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبيك”، وسواء كانت هذه نصوص دينية (آيات قرآنية أو أحاديث نبوية) أو أقوال شائعة، فالمعنى عميق ووجداني ويمس النفس البشرية. وقد طلب الرب أن يدعو الولد لوالديه: “ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا”.
الحضارة الغربية اليوم لا تلامس الكثير من الأحاسيس والمشاعر التي يتجاهلها الأبناء تجاه والديهم، وغالبًا ما يغلب عليهم الطابع المادي والأناني. ولقد سمعت مؤخرًا من أصدقائي (في أستراليا) قصصًا مؤلمة وحزينة عمّا يجري في العائلة الواحدة، فما بالك بابن يمنع أباه من رؤية حفيده لأسباب لا يمكن فهمها أو تبريرها؟! وصديق آخر أخبرني بأن أولاده (الاثنين) البالغين لا يزورونه إلا في المناسبات الرسمية، وغالبًا لا يردون على اتصاله هاتفيًا إلا بعد أيام طوال، يكون الوالد قد تألم كثيرًا لهذا الهجران والجحود!
الرب الذي خلق الإنسان وخلق معه نظام معيشته ميّزه عن كل المخلوقات والكائنات الأخرى، وبالرغم من تفرده بالعقل والفهم والإدراك والحس العاطفي، إلا أن الكثير من الطيور والحيوانات والمخلوقات الأخرى تحتفظ بغريزة الحب والعاطفة والأمومة والعمل الجماعي وحماية صغارها، والذين أثبتوا مؤخرًا أنهم أفضل بكثير من تصرفات بعض البشر (المخجلة) من بني الإنسان، الذي قتل وأفسد في الأرض، بدءًا من عائلته وأبناء جلدته، وانتهاءً بالآخرين من حوله، كما هو الحال اليوم للأسف.
وكلمة أخيرة لمجتمع المهاجرين وربما غيرهم، وخطابي للأبناء: “البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديّان لا يموت، وافعلوا ما شئتم، فكما تدين تُدان”. فإن أسأتَ لأبيك أو لأمك اليوم، فتوقع نفس الإساءة من أولادك غدًا، وإن أسكنتَ والديك دور الرعاية والعجزة، فانتظر دورك قريبًا لتشرب من نفس كأس المرارة والألم!
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد، والله المستعان.
رابط النشرــhttps://arabsaustralia.com/?p=40806



