مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق ـ رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي وعضو الهيئة الاستشارية بمجلة عرب أستراليا
إنقسم الناس لفريقين وحتى في البيت الواحد، ففريق مؤيد لإدخال التقنيات الحديثة للمنزل والتعامل مع مجريات الأمور اليومية والحياتية، والطرف الآخر مازال يعيش في الماضي (الجميل) والذي تعود عليه لفترات ليست بالقصيرة وربما كان التوازن هو المطلوب وقد يكون مصدر سعادة للجميع. فهل يستطيع قائد الأسرة أو ربها (رجلًا كان أو امرأة) أن يحسن هذا التوازن ومن ثم القيادة والمتابعة.
ابني الصغير يلبس نظارة طبية وعمره الآن 9 سنوات نتيجة تسمره الدائم ومصاحبته لصديقه الحميم (الهاتف المحمول أو الجوال)، وقد اشتكى عليه بعض المدرسين بأن خطه في الكتابة لا يُقرأ وربما سيئ للغاية ومحتاج لتقوية. وابني الآخر وعمره الآن 14 سنة يخرج من باب البيت صباحًا للمدرسة ويعود عصرًا ومن ثم يدخل لغرفته (تسمع صوتًا عند دخول الحمام أو المطبخ لتناول شيء يأكله) ولا نراه إلا في اليوم التالي ذاهبًا للمدرسة مرة أخرى، وقد أصبح انطوائيًا لا يختلط بنا ولا أصدقاء لديه ولا يخرج للسلام على أقربائنا ولا حتى البعض من جيراننا. أما البنت الكبرى (16 سنة) فقد بدأت تناقش وتجادل أمها في أشياء لم تكن مألوفة في الأزمنة السابقة مثل الجنس والدين، وهذا مختصر بسيط لما تحدث به لنا القائد لهذا اليوم.
التقنيات الحديثة أفادت البشرية بشكل كبير وفي مجالات متعددة (فنية وسياسية وعلمية ورياضية وحتى دينية)، ولكن متاعبها أنها دخلت البيوت مباشرة وألغت دور الرقابة / الفلترة من الأهل (كما في الزمن السابق) والذي كان يخاف الأهل فيه على صغارهم من الضياع، وقد جاءهم الضياع بنفسه وبدون استئذان.
لا تدري أو قد لا تفهم بأن هناك من يحرك المشهد وبعنف وعلانية ضاربًا بعرض الحائط كل ما هو متوازن ومنطقي وعادل. فإذا أنت لم تستخدم تطبيقات (الذكاء الاصطناعي – وبالذات اليوم!) فأنت متخلف وربما فاتك القطار (قطار الحضارة الزائفة والمُسيّسة والمسيطر عليها من قبلهم)، أو لو لم تستخدم تقنيات التواصل الاجتماعي فمؤكد أنت رجعي وغير متحضر وعليك السلام. كل هذه الإعلانات والدعايات والمنشورات وربما التحذيرات والتهديدات في أرجاء العالم والتي تصل إليك بشتى الوسائل مظهرها الخارجي تقدم وجذب علمي وحضاري، ومخبرها الداخلي الوقوع في الشرك أو المصيدة. فلن تنال من الغرب إلا ما يريدونه هم، وبعد أن يتم تحقيق المكاسب المادية وترك القشور من التقنيات للآخرين لأغراض الزينة والبهرجة والتفاخر. ولنا في الحروب الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط العبر والدروس. فهل نعي تلك الدروس يا أولي الألباب! والله المستعان.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=43861



