بقلم: أ.د / عماد وليد شبلاق
رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا
ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي
وعضو الهيئة الاستشارية بمجلة عرب أستراليا
عندما خُلق الإنسان، كانت مكوناته واضحة ولها علاقة بالمكان الذي سيعيش فيه (تراب وماء وصلصال ثم عظام ولحم وهكذا)، وهذه كلها عناصر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئة المحيطة بغرض التكيف. ومؤكد أن هذا الخلق محدد الزمن للاستدامة، فعلى مدى العصور ومنذ خليقة البشر تناقص عمر الإنسان حتى وصل في عصرنا هذا إلى عمر بين 60-70 عامًا كمتوسط لعمر الإنسان، وكما ذُكر في بعض الأحاديث والروايات.
وحقيقة الأمر أن الإنسان ومنذ ولادته لا يعرف الكثير عن نفسه أو حتى عن جسده، ولا كيفية التعامل معهما. فالسنوات الـ10-20 الأولى من حياته هي بمثابة التأثر الكامل (على الأغلب) بنصائح و/أو أوامر من الوالدين، فالأكل والشرب تتحكم به الأم، وكذلك اللبس واختيار الأماكن والألعاب والأصدقاء ومواعيد النوم والسهر (بمشاركة الأبوين). ومن ثم الدراسة واختيار التخصص والجامعة، وحتى يقف عند مرحلة أو عتبة الزواج، وقد يُتاح له الخيار أو لا! وربما يكون هذا التسلسل جيدًا ومريحًا للبعض أو العكس، وتختلف الأمور من ثقافة لأخرى، ويظل الموضوع محل نقاش أو ربما جدل.
موضوع اليوم هو الجسد أو جسم الإنسان وكيفية استخدامه أو الاستفادة منه، فعلى مدى السنين الطوال التي أمضيتها في هذه الحياة الدنيوية القصيرة جدًا في عمر الزمن الافتراضي، وجدتُ الكثير من الناس لا يعرفون كيف يأكلون ولا يشربون ولا حتى يتنفسون. وأنا لا أقصد هنا بالطبع آداب أو إتيكيت الأكل والشرب، بل يتعدى ذلك المفهوم إلى التعرف على وظائف الفم والأسنان والبلعوم والمريء والقصبة الهوائية والشُعَب ونظام الهضم وامتصاص الدم. فالكثير منا اليوم (شباب وبالغون) لا يعرفون الطريقة الصحيحة للتنفس مثلًا (متى وكيف وأين ولماذا؟)، والمسألة هنا أيضًا لا علاقة لها بالأمراض والطب، إنما هي الاستفادة القصوى من الجسد الممنوح لك وكيفية استغلاله. وهذه ببساطة يمكن التعرف عليها من خلال القراءة والمطالعة، بالإضافة إلى الاستفادة من تقنية “الهندسة القيمية” أو تحليل وظائف العنصر/العناصر (المكونة للأجهزة). فالخالق عندما ركّب الإنسان ووضعه في أحسن صورة، كان متكاملًا، فمثلًا: لماذا هناك أذنان بدلًا من واحدة، وعينان بدلًا من عين واحدة أيضًا، وكذلك فتحتي أنف بدلًا من واحدة، وعدد أصابع خمسة بدلًا من سبعة في كل يد وقدم؟ (عرض إصبع اليد يتناسب مع سعة كل من فتحة الأنف والأذن). ومؤكد أن كل من هذه العناصر من أجزاء الجسد لها وظيفة أو عدة وظائف محددة، وقد تكون رئيسية وثانوية مطلوبة (كما تعرفها منهجية الهندسة القيمية – Value Engineering). فعلى سبيل المثال: هل وظيفة صدر المرأة أو الثديين هي إرضاع الطفل عند ولادته، أم إكساب المرأة مظهرًا جماليًا جذابًا، أم الاثنين معًا؟ وكذلك شعر الرأس في الإنسان، ما هي وظيفته؟ هل هو حماية من الشمس والحر أم وظيفة جمالية لحسن الخلقة والمنظر وتميز البشر، أم إخفاء تصميمي لصلعة الجمجمة الجرداء وتلبيسها بمظهر أفضل؟
أما عملية التزاوج والجماع والجنس ومكوناتها من عناصر وأجهزة، فكثيرون يخطئون في فهمها ومن ثم استخدامها، فقد يتأخر الحمل أو لا يتم الوصول إلى الذروة المطلوبة نتيجة الجهل بميكانيكية الجماع نفسه أو التعليمات الخاطئة من المقربين. وهناك العديد من الأمثلة التي يعيش المرء ويموت دون أن يدرك تمامًا لما هي موجودة ولا كيفية استعمالها على الوجه الصحيح.
بشكل عام، خُلقت الأنثى للإنجاب والتكاثر (وظيفة رئيسية)، والعبادة للمرأة (وظيفة رئيسية)، وأما الاستمتاع فهو وظيفة ثانوية مطلوبة مساندة لإتمام الوظيفة الرئيسية، كما في مفهوم الهندسة القيمية Value Engineering – Function Analysis.
وما نخلص إليه هنا، أن العمر الزمني للإنسان، والذي قد يمتد إلى 100 عام أو أكثر مثلًا في بعض الأحيان، يُقسم إلى عدة فترات أو دوائر بالنسبة لمفهوم الجسد واستخدام وظائفه وعناصره وأجهزته (الجهاز الهضمي والتنفسي والتناسلي والعصبي وغيره). ومؤكد أن هذا الجسم لم يُصمم للاستدامة أو لفترات بعيدة، فلا يمكن للقلب أو الرئتين أن يعملا لأكثر من 200 أو 300 سنة في عمر إنسان اليوم. وطبعًا، خُلق الإنسان وصُمّم بهذه الطريقة (مع العلم بأن الخالق قادر على إطالة عمر الإنسان لمئات أو حتى آلاف السنين لو أراد) لكي يفنى وتنتهي خلافته في الأرض بهذه المواصفات والإمكانات المحدودة لقرب انتهاء الحياة الدنيا.
وبالرغم من قصر المدة المحددة لعمر الإنسان، كان لا بد من التفكر جيدًا ومليًا في التعرف وعن قرب إلى جسد الإنسان ووظائفه وما يحتويه من أسرار عظيمة، قد لا نستخدم إلا القليل منها لجهلنا بها وعدم إدراكنا لفوائدها. وكان لزامًا أن نقوم بصيانتها (Life Cycle O & M) والحفاظ عليها، كما هي الحال في الصناعات الأخرى، تجنبًا لتعطلها وعدم استمراريتها.
الجسد مهم في حياتنا اليومية، وعناصره ومكوناته لم تُخلق عبثًا، وكل جزء له وظيفة، وقد تكون رئيسية أو ثانوية مطلوبة. وعليك تشغيلها أو استخدامها بالطريقة الصحيحة. والشرح يطول في ذلك، ولكن من باب التذكير والنصيحة. وكل عام وأنتم بخير، والله المستعان.
رابط النشر –https://arabsaustralia.com/?p=41567



