spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 58

آخر المقالات

منير الحردول ـ الويل لنا في نهاية المطاف

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم الكاتب منير الحردول لا أحد...

الدكتور بول حامض ـ مطلوب من الرأي العام اليقظة وبُعدْ النظـــر

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم الدكتور بول حامض لكل المخلصين...

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad Walid Shublaq OAM

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad...

أ.د. عماد وليد شبلاق OAMـ لماذا تقنية الهندسة القيمية مهمة للأستراليين؟

مجلة عرب أسترالياـ أ.د. عماد وليد شبلاق OAM رئيس الجمعية...

أ.د. حسام البرمبلى ـ ميثاق العمارة وعمران الأرض: فلسفة البقاء، وجدلية الوعي، وجغرافيا المكان

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د. حسام البرمبلى

أستاذ العمارة والصيانة –جامعة عين شمس

لم يكن الوجود البشري فوق هذا الكوكب المعلق في فضاء الكون اللامتناهي حدثاً عشوائياً عابراً، بل هو تجسيد لرسالة مقدسة وأمانة وجودية كبرى ناءت بحملها السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها، وحملها الإنسان بوعيه وحريته وعقله الكادح. إن فكرة “عمارة الأرض” ليست ترفاً فكرياً أو حرفة بنائية يلوذ بها البشر هرباً من قسوة الطبيعة، بل هي الجوهر الحقيقي لعقد الاستخلاف الإلهي؛ العقد الذي ينقل الإنسان من رتبة التلقي البيولوجي الساكن، إلى رتبة الصانع والفاعل والمبدع الذي يعيد تشكيل الجغرافيا لـتصنع تاريخاً حياً ناطقاً بالمعنى والقيمة والعدل. عندما وطأت قدم الإنسان الأولى طينة الأرض، لم يجد وادياً ممهداً أو أبراجاً شيدت لرفاهيته، بل وجد برية موحشة، وغابات متشابكة، وأنهاراً هادرة، وصحاري شاسعة؛ فكان عليه أن يخوض معركة الوعي الأولى لـتحويل هذا الغموض المادي إلى فضاءات إنسانية آمنة وحاضنة مفعمة بالاستقرار والجمال الشامل.

إن العمارة والعمران في هذا المنظور الفلسفي هما التجلي المادي والفيزيائي الأكبر لـحركة الوعي البشري عبر العصور؛ فالإنسان لا يبني الجدران لـتحميه من المطر والذئاب فحسب، بل يبنيها لـيخلد أفكاره، ويعبر عن عقائده، ويمنح كينونته الوجودية رسوخاً وثباتاً في وجه عواصف الفناء والتلاشي. إن عمارة الأرض هي اللغة البصرية التفاعلية المشتركة التي تتحدث بها المجتمعات البشرية مع جغرافيتها وسياقها الزماني والمكاني؛ فكل حجر يُرفع، وكل طريق يُشق، وكل واحة تُزرع في قلب القفر هو شواهد حية على انتصار الإرادة الإنسانية على قصور المادة الساكنة. من هنا، يتقدم هذا البحث الفلسفي والأنثروبولوجي ليجرد مفاصل ومسارات العلاقة الأبدية الشاملة بين الإنسان والعمران والبقاء، برؤية كونية عابرة للتخصصات تبرهن على أن مصير المجتمعات البشرية وخلودها الإبداعي يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بـمدى الإحسان في صياغة خريطة الفراغ المعماري واتزانها الإيكولوجي مع الفطرة الأولى للأشياء من المبتدأ وفي المنتهى بـالتمام والكمال.

  1. رحلة الأنثروبولوجيا الحضرية: كيف تحول الطين والجرانيت إلى ذاكرة جماعية ناطقة؟

إذا تتبعنا السجل التاريخي والأنثروبولوجي لـنشوء الحضارات وتطور المجتمعات فوق باطن الأرض، سنجد أن قصة البقاء الإنساني هي قصة صراع دائم ومستمر لـتحويل الجماد الخشن إلى نسيج حضري ينبض بـالحياة والثقافة. بدأ الإنسان رحلته بـالتخفف والاكتفاء بالكهوف الطبيعية والصوامع الجبلية الخاشعة؛ حيث كانت الطبيعة هي الحاضن والملاذ السلبي الأعظم. ولكن، ومع ولادة “الوعي الزراعي” على ضفاف الأنهار الخالدة — كـالنيل، والرافدين، والسند، واليانغتسي — تلاقت خطى الإنسان مع طينة الأرض بـشكل جديد وفعال، صانعةً لحظة التحول الأضخم في التاريخ البشري: لحظة الاستقرار وصناعة القرى والمدن الأولى بـبساطة تامة وبـاليقين الفطري الراسخ.

في تلك المساحات الطينية الأولى، تعلم الإنسان المصري والبابلي والسومري كيف يصهر إبداعه الروحي في أحشاء المادة؛ فلم يعد البناء وعاءً جافاً لـتقسيم المساحات، بل صار ملفاً حيوياً يسجل عقائد الجماعة وتراتبيتها الاجتماعية وثقافتها البصرية. تحول الطين الجاف والجرانيت والرخام على يد الإنسان إلى “ذاكرة جماعية ناطقة” تحمي الهوية الوطنية والأصالة الثقافية للأمم من زلزال النسيان وعوادي الأيام المتسارعة. إن المعابد العمودية الكونية في الأقصر وبابل، والمدن الحجرية المفتوحة في اليونان وروما، والحواضر التاريخية بـمدارات مساجدها وكنائسها وخاناتها العتيقة، ليست ركاماً من الأحجار المهجورة، بل هي “بصمات وعي إنساني رفيع” لا تزال تبث طاقة السكون والطمأنينة والسكينة في وجدان العابرين، مبرهنة على أن البناء الراقي الحق هو الذي يحمل نقاء السريرية المعرفية وجماليات المحاذاة مع جغرافيا الكون بـدون حشو أو ادعاء فارغ أمام الجموع.

  1. جدلية العمارة والعمران: بصمة الوعي الداخلي وخريطة المكان الكبرى

لكي نتمكن من جرد المسارات الحضرية بـصرامة فكرية وإبستمولوجية وافية، يجب أولاً التفكيك التحليلي لـلجدلية الكونية التي تربط الفراغ المعماري بـالمحيط العمراني الشامل؛ فالعمارة في جوهرها تمثل “بصمة الوعي الداخلي للفرد والمؤسسة”، وهي صياغة الفراغ المحدود والنقاء الحسي والمادي داخل الغلاف المعماري الواحد لـتأمين الرفاهية والراحة النفسية والبدنية وصناعة البيئات الحاضنة السعيدة. أما العمران، فهو “خريطة المكان الكبرى وتناظم المورفولوجيا الحضرية”؛ وهو النسيج الممتد والشريان الحي الذي يربط تلك البصمات الفردية بـبعضها البعض فوق رقعة الجغرافيا لـيصنع المدن، والشبكات، والمرافق العامة، ويحمي الاستقرار طويل الأمد لـلجماعة البشرية بـالعزل التام للأزمات البيئية والاقتصادية الزاحفة.

إن هذه الجدلية تبرهن على أن أي خلل بنيوي أو تراجع في الأداء الوظيفي لـأحدهما يؤدي بـالتبعية والضرورة إلى مرض وشيخوخة الآخر؛ فالعمارة العشوائية المكتومة التي تنفصل عن السياق الجغرافي والثقافي لـلموقع وتفتقر لـتدفق النور الطبيعي والنسمات الباردة بـمرونة وانسيابية، لا تكتفي بـإحداث مظالم بيئية ونفسية لساكنيها، بل إنها تتراكم بـتواتر جائر لـتشوه وجه العمران وتتحول إلى بؤر تلوث بصري واجتماعي يفرمل حيوية المدينة ويسرع من تدهورها الفيزيائي والوظيفي. وبالمثل، فإن العمران المتحجر القاسي الذي يعتمد على الرص الأعمى لـلخطوط الإسمنتية وتشييد الطرق الجافة المفتوحة دون مراعاة لـطبوغرافيا الأرض وحركة الشجر والمياه والرياح المحلية، يخنق الفراغات المعمارية ويحرمها من التنفس الطبيعي والتناظم اليوماوي ومحاكاة ساعة الجسد البيولوجية، محولاً الحواضر المعاصرة إلى كتل خرسانية صاخبة تلتهم صحة البشر وتصيب أرواحهم بـالكآبة والضيق والوهن العصبي الخفي بغير نفع.

رابط النشر-  https://arabsaustralia.com/?p=47564

ذات صلة

spot_img