spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 58

آخر المقالات

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad Walid Shublaq OAM

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad...

أ.د. عماد وليد شبلاق OAMـ لماذا تقنية الهندسة القيمية مهمة للأستراليين؟

مجلة عرب أسترالياـ أ.د. عماد وليد شبلاق OAM رئيس الجمعية...

أ.د. حسام البرمبلى ـ الإنسان وحياة الغد في المدينة الفاضلة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د. حسام البرمبلى   لم يكن البحث...

إبراهيم أبو عواد ـ لماذا تجامل الفيفا اللاعب ميسي ؟

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب إبراهيم أبو عواد   لطالما كان عالم...

أ.د. حسام البرمبلى ـ حكاية العمارة والإنسان: رحلة البحث عن السعادة والأمان والخلود الفراغي

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د. حسام البرمبلى

أستاذ العمارة والصيانة –جامعة عين شمس

 1. فجر الخليقة والملاذ الأول: من وحشة العراء إلى دفء الكهف

بدأت حكاية العمارة والإنسان منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدم البشر باطن الأرض؛ لحظة انتبه فيها الوعي الإنساني البدائي إلى ضآلة جسده الفاني أمام كبرياء الطبيعة الغاشمة وعناصرها الكونية المتقلبة. لم يكن البنيان المعماري في مهد التاريخ ترفاً فكرياً أو مباهاة بصرية عشوائية، بل خُلق من رحم صرخة وجودية كبرى تبحث عن البقاء والسلام. في العراء الشاسع، حيث الرياح العاصفة تلفح الوجوه، والأمطار الاستوائية تجرف الطين، والمفترسات تتربص صامتاً في مهد الظلام، كان الإنسان كائناً مذعوراً مسكوناً بـ”قلق العراء”.

من هنا، بدأت رحلة البحث عن الملاذ؛ وكان الكهف الفطري في بطن الجبل هو العمارة الأولى التي منحتها الطبيعة للإنسان دون حفر أو صب. في أحشاء ذلك الجبل المصمت، ولأول مرة، تذوق الإنسان طعم “الأمان الهيدروليكي والميكانيكي”، وشعر بـأن جدران الصخر العازلة تفصل روحه برفق عن وحشة الخلاء الخارجي. دخل الكهف كائناً مطارداً، وخرج منه حاملاً قنديل الفكر؛ فداخل هذا السكون المحمي، أشعل النار الأولى، ورسم على الجدران بصماته الوجدانية، لتبدأ من هنا جدلية التلاحم الأبدي بين الجسد البشري والفراغ المعماري الحاضن له بنقاء وصفاء كاملين بـبساطة ويقين.

2. من الطين إلى الحجر: أنثروبولوجيا المادة وبناء جينات الاستقرار المستدام

مع هبوط الإنسان من قمم الجبال إلى ضفاف الأودية الخصبة، وخاصة على ضفاف نيل مصر الخالد، تغيرت طبيعة التحدي الوجودي؛ فلم يعد الكهف الثابت ملائماً لحياة الصيد والزراعة التكيفية، وظهرت حتمية “الولادة الفيزيائية والمادية للبنيان”. تعلم الإنسان كيف يعجن طين الأرض بيديه، ويخلطه بتبن الحقل، ويصهر جزيئاته تحت لهيب شمس أغسطس ليولد “قالب الآجر” (اللبن)—اللبنة الأساسية الأولى التي صاغت مفهوم الجدار في التاريخ البشري. عمارة الطين كانت تجسيداً لـ”الالتحام الفطري بالتربة”؛ فالبيت الطيني لم يكن غريباً عن الأرض، بل كان قطعة منها تتنفس من رئتها، وتمتلك قدرة ذاتية على العزل الحراري والرطوبي تمتص قيظ الصيف وبرد الشتاء برضا تام وبساطة بليغة .

ولكن الوعي الإنساني، المسكون دوماً بـ”بصمة الخلود” ومقاومة الفناء، أدرك أن الطين يذوب مع الفيضان، وينحل بمرور السنين؛ فـارتقى بصر المطور الأول نحو الصخور الصلدة والجرانيت الأسواني الكوني. تحول الاستيطان من الطين العابر إلى الحجر الخالد؛ وفلسفياً، كان هذا التحول هو العبور من “الرعاية المؤقتة لـلبدن”، إلى “تأسيس معالم خريطة المكان التي لا تشيخ”. إن الأحجار الكبرى التي صُفت في المعابد والمقابر الفرعونية القديمة لم تكن وسيطاً ماديّاً لنقل الأحمال فحسب، بل كانت حصوناً مادية جُبلت جيناتها التركيبية لتقهر الزمان وتصمد في وجه الأيام، معلنةً تحرير الوعي المعماري من أغلال الزوال، وبناء صروح عابرة للأجيال تتحدى الأقدار بسلام ويقين كامل بـالتمام والكمال.

3. لغة الجدران الوجدانية: كيف يتحدث الفراغ الصامت إلى باطن النفس؟

إن الجدران المعمارية لا تقف صامتة في الفراغ كما تظن الأبصار القاصرة، بل هي كائنات وجدانية حية تمتلك لغة باطنية تفك شفراتها الحواس البشرية لحظة بلحظة؛ فحاسة البصر، والسمع، والشم، واللمس هي قنوات سيبرانية-فيزيائية فائقة النقاء تستقبل باستمرار التدفقات الإشارية التي يطلقها المحيط المعماري، وتمررها إلى خلايا الدماغ لـتترجم فوراً وبـالثانية إلى هرمونات تتحكم في مزاجنا ونبضات قلوبنا وصحتنا البدنية. عندما يسير الإنسان في ممر ضيق، مظلم، ذي سقف منخفض، فإن عقله الباطن يقرأ هذا الفراغ كـ”تهديد مباغت وقيد حركي جائر”، فـينشط هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) ويرتفع ضغط الدم وتضيق الروح وتصاب بالوهن العصبي الخفي.

وعلى النقيض التام، عندما يفتح البنيان أبوابه ونوافذه لـتدفق النور الطبيعي، وتتحرك النسمات بـمرونة انسيابية، وتتلاقى العين مع خطوط معمارية منحنية مستوحاة من الأشكال البيولوجية في الطبيعة (Biomorphic Forms)، يفرز الدماغ هرمونات السيروتونين والأوكسيتوسين (هرمونات السعادة والسكينة والوئام)، صانعاً حالة من السلام الداخلي والاتزان الروحي العميم إن العمارة في فلسفة “طبيب البنيان” هي قلم الصياغة الأكبر الذي يعيد كتابة جيناتنا النفسية والسلوكية اليومية؛ فالمبنى الناجح هو الذي يفهم لغة الروح، ويصفي مسببات القلق صامتاً في مهد الفراغ، محولاً البيت والمكتب إلى واحة دافئة تحتضن الضعف البشري وتمنحه البركة والرفاهية بنقاء وصفاء كاملين بـالمنتهى وبـالتمام والكمال.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47556

ذات صلة

spot_img