spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 58

آخر المقالات

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad Walid Shublaq OAM

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad...

أ.د. عماد وليد شبلاق OAMـ لماذا تقنية الهندسة القيمية مهمة للأستراليين؟

مجلة عرب أسترالياـ أ.د. عماد وليد شبلاق OAM رئيس الجمعية...

أ.د. حسام البرمبلى ـ الإنسان وحياة الغد في المدينة الفاضلة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د. حسام البرمبلى   لم يكن البحث...

إبراهيم أبو عواد ـ لماذا تجامل الفيفا اللاعب ميسي ؟

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب إبراهيم أبو عواد   لطالما كان عالم...

أ.د. حسام البرمبلى ـ العمارة والإنسان: حياة متلازمة للأمان، التعمير، والبقاء في ظل التحديات المعاصرة والاستدامة الكونية

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د. حسام البرمبلى

أستاذ العمارة والصيانة –جامعة عين شمس

 فى سلسلة الحوار عن علاقة الاتسان بالعمارة فى علاقة متبادلة من اجل البقاء و الاستدامة فى ظل التغييرات و التكنولوجية الحديثة حيث الصراعات البيئية و التغييرات المناخية يسعى الانسان الى البقاء و التكييف و ابجاد الحلول من اجل السعادة

لم تكن العمارة في تاريخ الوجود البشري مجرد رص جاف للأحجار، أو تشييد قشور مادية مصمتة تلجأ إليها الأجساد هرباً من قسوة الطبيعة وعوادي المناخ، بل هي في جوهرها الإبستمولوجي العارم التجسيد المادي والفيزيائي الأكبر لـرحلة “الاستخلاف الإنساني” فوق باطن الأرض. إن العلاقة بين الإنسان والمكان ليست علاقة استهلاك عابرة، بل هي “حياة متلازمة وتلاحم بيولوجي ووجداني مستمر” لا ينقطع مع كل رمشة عين وإشراقة شمس جديدة؛ فالإنسان يصنع الفراغ المعماري بوعيه وعقيدته وثقافته البصرية، ثم يعود الفراغ المعماري لـيعيد صياغة السلوك، والمزاج، والجينات النفسية والبدنية لقاطنيه.

إن هذا التلازم الأبدي يبرهن على أن العمارة هي “بصمة الوعي الكوني” التي تخلد وجود الجماعة البشرية وتمنح كينونتها رسوخاً وثباتاً في وجه أمواج الفناء والزوال. عندما وطأت قدم الإنسان الأولى طينة الأرض، لم يجد وادياً ممهداً أو صروحاً شيدت لرفاهيته، بل وجد برية موحشة تفرض عليه الكدح؛ فكانت العمارة هي الأداة واللغة التفاعلية المشتركة التي حوّل بها الجغرافيا الساكنة إلى خرائط مكان ناطقة بالمعنى، والجمال، والأمان، ممهداً الطريق لـرحلة “التعمير والبقاء الاستراتيجي” للأمم .

في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه البشرية اليوم — من تسارع مناخي جائر، شُح في الموارد الاقتصادية والطبيعية، وتمدد حضري عشوائي يلتهم مساحات الكوكب — تبرز الحاجة الوجودية لـإعادة صياغة هذا الميثاق التلازمي. لم يعد نجاح المنشأ المعماري يُقاس بـمدى قدرة هيكله الإنشائي على نقل الأحمال من الأسقف إلى القواعد فحسب، بل بـمدى قدرته على تحقيق “التوازن الإيكولوجي المطلق” وتوفير واحات حاضنة تصون الروح والبدن من سموم التلوث وصخب الحياة المعاصرة الصاخب.

إن حواس البصر، والسمع، واللمس، والشم هي بوابات حسية فائقة النقاء تستقبل بـاستمرار التدفقات الإشارية التي يطلقها الغلاف المعماري، وتقوم بـتمريرها إلى مراكز الدماغ العصية لـتترجم فوراً وبـالثانية إلى هرمونات كيميائية ومؤشرات حيوية تتحكم في صياغة السلام الداخلي والاتزان الروحي.

تعتمد عمارة الأمان والبقاء على هندسة “البصمة الضوئية واللونية للفراغ” بوعي كامل يطابق الفطرة الأولى للأشياء؛ حيث يتم دراسة حركة الشمس وحركة الرياح المحلية باستخدام برمجيات المحاكاة الديناميكية لـتأمين “ميثاق الضوء الكوني وهندسة النور المتدفق” داخل الغرف والممرات تدفق النور الطبيعي يحمي الأعين ويمنع الخمول، بينما تعمل ظلال العمارة السلبية على خلق عمق بصري يمنح الروح إحساساً بـالانشراح والاتساع النفسي.

يتكامل هذا النقاء الضوئي مع فرض “التحصين السمعي ولجم الضوضاء الطفيلية العابرة” المزعجة الناتجة عن زحام المدن الكبرى؛ حيث يتم توصيف جدران ونوافذ عازلة للصوت، بـاعتماد الزجاج المزدوج ومواد بوليمرية نانوية داخل الأسطح تمتص صدى الصوت وتمنع ارتداداته المسببة لـلتشتت الذهني والقلق العصبي المولد للتوتر

بالتوازي، يتم حوكمة “جودة الهواء الداخلي” (IAQ) والمنع المطلق لمرور جزيئات الرطوبة الشعرية المكتومة داخل مسام الجدران، وتصفير نسب غاز ثاني أكسيد الكربون (CO₂) بـاستمرار . إن المبنى الذي يمتلك غشاءً حيوياً ناضجاً ذي نفاذية اختيارية محكمة يطرد الملوثات ويسمح بـتجدد الأكسجين تلقائياً، يمنع إصابة البشر بـالوهن العصبي وأمراض الجهاز التنفسي، ويصنع بيئة حاضنة سعيدة ترفع إنتاجية البشر في العمل ومستويات طمأنينتهم الروحية في المسكن بـبساطة ويقين كاملين .

إن مجابهة التحديات المعاصرة وتحقيق الاستدامة الكونية لـبقاء الإنسان يتطلب تسليح العمارة بـالتمكين التكنولوجي المتقدم عبر محورين كبريين يتلاحمان لـتحويل البنيان من جماد ساكن، إلى نسيج عصبي حي وواعي

إن وعي التنمية المستدامة يبرهن على أن الإنسان كائن ترتبط سلامته الوجودية بـمدى تلاحمه الحسي مع عناصر الطبيعة الحية. وتفرض عمارة البقاء دمج الحدائق العمودية، والجدران النابضة بـالنباتات الطبيعية، ومسارات خرير المياه داخل الفراغات المعمارية لـكسر جمود الخرسانة وتخفيض مستويات الإجهاد العصبي بنسب ملحوظة

ويترافق هذا الدمج البيولوجي مع تطبيق “فلسفة التخفف وإلغاء صخب الفوضى البصرية” (Minimalism)؛ حيث يتم التوقف الصارم عن الحشو الديكوري المعقد، واعتماد مسارات حركية مرنة وممرات واسعة حرة تمنح الوجدان طاقة “الوسوع” والانشراح وتطهر الروح المعمارية بـطرق انسيابية ذكية تطابق الفطرة الأولى.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47567

ذات صلة

spot_img