مجلة عرب أسترالياـ أستراليا على أعتاب دور عسكري غير مسبوق في أوكرانيا

قالت أستراليا إنها “ستنظر” في إرسال قوات لحفظ السلام إذا نجحت المحادثات لإنهاء القتال في أوكرانيا، لكن أي قوة من هذا القبيل ستواجه تحديات كبيرة في تنفيذ مهمتها.
كرر رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز هذا الأسبوع تعهده قبل الانتخابات بإرسال قوات لمساعدة أي قوة لحفظ السلام إذا تم التوصل إلى وقف إطلاق النار في البلد الذي مزقته الحرب. وفي هذا الإطار، ستكون القوات متعددة الجنسيات جزءًا من الضمانات الأمنية التي ترى أوكرانيا أنها ضرورية قبل توقيع أي اتفاق سلام مع روسيا.
وأضاف ألبانيز لشبكة “سكاي نيوز”: “إذا كان هناك سلام، وإذا كان هناك تجاوب عالمي في شكل قوة لحفظ السلام، فإننا سننظر في أي اقتراح حينها”. وأوضح أن الأمر سيكون من اختصاص مجلس الوزراء، مشيرًا إلى أن موقف أستراليا كان واضحًا منذ البداية. كما شدد على أن دور أي وحدات من قوات الدفاع الأسترالية المشاركة سيقتصر على “عدم القتال”.
وقد حظي موقف رئيس الوزراء بدعم زعيمة المعارضة سوزان لي التي أكدت أن الائتلاف “سيعمل بشكل بنّاء” مع الحكومة. وفي الاتجاه نفسه، أشاد سفير أوكرانيا لدى أستراليا فاسيل ميروشنيشينكو بالموقف الموحّد، معتبراً أن الشراكة الثنائية بشأن أمن بلاده مسألة بالغة الأهمية. وقال لوكالة الأنباء الأسترالية: “أرحب بهذا القرار، وأعتقد أنه قرار بالغ الذكاء. لقد تعوّدنا تقليديًا على هذا الدعم من الحزبين، وأرى أنه المسار الصحيح”.
لماذا تعتبر ضمانات الأمن مهمة؟
في الاجتماع الذي طال انتظاره في البيت الأبيض هذا الأسبوع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين، تحوّلت الضمانات الأمنية إلى قضية محورية. إذ يُدرك زيلينسكي أن التفوق العسكري الروسي قد يُضعف مقاومة بلاده على المدى البعيد، لذلك يتمسك منذ وقت طويل بضرورة أن يتضمن أي اتفاق وعودًا أميركية وأوروبية تحول دون استئناف روسيا هجماتها بعد عام أو عامين فقط.
ما هي الدول التي يمكن أن تقدم قوات حفظ السلام؟
لا يزال “تحالف الراغبين” ــ الذي يضم 30 من أبرز حلفاء أوكرانيا ومن ضمنهم أستراليا ــ بصدد تحديد ما يمكن تقديمه واقعيًا. والهدف واضح: ردع الروس عن شنّ هجمات جديدة. أما ملامح الخطة فلا تزال غير محسومة، وإن كان المرجح أن تشمل نشر قوات برية إلى جانب دعم بحري وجوي، فضلاً عن المساهمة في إعادة بناء الجيش الأوكراني المُنهك بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
وفي هذا السياق، سبق أن طرحت المملكة المتحدة وفرنسا فكرة إنشاء قوة متعددة الجنسيات، بينما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الاثنين ضرورة مساعدة الدول الأخرى، قائلاً: “سوف نحتاج إلى دعم أوكرانيا بإرسال قوات برية لضمان عدم حصول أي تدخل روسي في المستقبل”.
ما الذي ستواجهه قوات حفظ السلام؟
يرى خبراء الدفاع أن قوة متكاملة تغطي خط مواجهة يمتد لألف كيلومتر ستحتاج إلى ما يزيد عن مئة ألف جندي، وهو ما يشكل عبئًا هائلًا على الجيوش الأوروبية التي تقلّصت أعدادها منذ نهاية الحرب الباردة. إلى ذلك، ثمة مسائل أساسية يتعين حسمها مثل الترتيبات اللوجستية، وجدول التناوب، وهيكل القيادة، فضلًا عن قواعد الاشتباك عند خرق وقف إطلاق النار، والتي يجب أن تحظى بموافقة جميع الدول المشاركة.
ووفق تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن “القوة التي سيتم نشرها يجب أن تكون موثوقة لدى موسكو والتحالف على السواء، وأن تُظهر استعدادًا للتصرف بحزم في حال حدوث أي خرق للهدنة”.
هل ستنشر الولايات المتحدة قوات حفظ السلام؟
يُعد الجيش الأميركي الأكبر في العالم والركيزة الأساسية في حلف شمال الأطلسي. ولم يستبعد الرئيس ترامب، خلال إجاباته على أسئلة في البيت الأبيض يوم الاثنين، احتمال مشاركة قوات أميركية في جهود أوروبية لحفظ السلام، لكنه تراجع عن ذلك بعد ساعات قليلة.
وفي مقابلة مع برنامج “فوكس آند فريندز”، حين سُئل عن الضمانات التي يمكنه تقديمها على المدى البعيد ــ أي بعد ولايته ــ بشأن مشاركة القوات الأميركية في الدفاع عن أوكرانيا، قال: “لديكم تأكيدي، فأنا الرئيس”. غير أن ترامب سيفقد سلطته على الجيش الأميركي مع انتهاء ولايته في يناير/كانون الثاني 2029.
وفي توضيح لاحق، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن “القوات الأميركية لن تكون موجودة على الأرض” كجزء من أي مهمة محتملة لحفظ السلام.
الموقف الأسترالي بين الحذر والانخراط: حفظ السلام في أوكرانيا وملفات دولية أخرى
يتّسم الموقف الأسترالي من فكرة نشر قوات دولية لحفظ السلام في أوكرانيا بقدر من التوازن، إذ تحرص كانبيرا على تأكيد التزامها بمبادئ الأمن الجماعي إلى جانب حلفائها الغربيين، لكنها في الوقت نفسه تراعي حدود قدراتها وإمكاناتها العسكرية المتوفرة.
ومن هذا المنطلق، تميل أستراليا إلى دعم الجهود الدبلوماسية والسياسية، مع الإبقاء على هامش مرونة تجاه أي مشاركة ميدانية مباشرة. ويعكس هذا النهج سياسة أوسع في تعاملها مع ملفات أخرى مثل التوترات في بحر الصين الجنوبي أو ترتيبات الأمن في المحيطين الهندي والهادئ، حيث توازن بين تعزيز التحالفات الدولية وبين تجنّب الانخراط في صراعات قد تطيل أمد التزاماتها الخارجية. ومنه يمكن القول إن أستراليا تسعى إلى مقاربة عملية تُظهر التزامها بالمنظومة الدولية من دون تجاوز حدود إمكاناتها الواقعية.
رابط النشرـ https://arabsaustralia.com/?p=43742



